الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٤٠ - كتب إليه إسحاق الموصلي فأجابه
يحسن [١] السّبّ غيرك!. قد أحدثت لي- جعلت فداءك- أدبا و زدتني بصيرة فيما أحبّ من تركه و ترك الكلام فيه. فإن ظننت أنّ هذا فرار من الحجّة و تعريد [٢] عن المناظرة، كما قلت، فقد ظفرت و صرت إلى ما أحببت؛ و إلّا فإنه لا ينبغي للحرّ أن يتلهّى بما لا تقوم لذّته بمعرّته،/ و لا لعاقل أن يبذل ما عنده لمن لا يحمده، و لعلّه لا يقلّب العين فيه حتى يلحقه ما يكره منه. و أمّا ما قاله أبي- رحمه اللّه- من أنه لم يزل يتمنّى أن يرى من/ سادته من يعرف قدره حقّ معرفته و يبلغ علمه بهذه الصناعة الغاية العظمى حتى رآك، فقد صدق، ما زال يتمنّى ذلك و ما زلت أتمنّاه. فهل رأيت- جعلت فداءك- حظّي [٣] منه إلّا بأن ساويت به [٤] من لم يكن يساوي شسعه، و لعلك لا ترضى في بعض القوم حتى تفضّله عليه، لا تنفعه عندك معرفة به، و لا رعاية لطول الصّحبة و الخدمة، و لا حفظ لآثار محمودة باقية نذكرها و نحتجّ بها. ثم ها أنا من بعده تضعني بالموضع الذي تضعني به، و تنسبني إلى ما تنسبني إليه؛ لأني توخّيت الصواب و اجتهدت في البذل و المناصحة، لا يدفعك عنّي حفظ لسلف، و لا صيانة لخلف، و لا استدامة لقديم ما نعلم، و لا مصانعة لما تطلب، و لا ولاء مما أكره أن أقوله [٥]. فما أرى- جعلت فداءك- من معرفتك بما في أيدينا إلّا تجرّع الحسرات، و تطلّبك لنا العثرات، و اللّه المستعان. كيف أصنع جعلت فداءك! إن سكتّ لم تقبل ذلك مني، و إن صدقت كذّبتني، و إن كذبت ظفرت بي، و إن مزحت لأطربك و أضحكك و أقرب من أنسك و آخذ بنصيبي من كرمك غضبت و سببت، و لو كنت قريبا منك لضربت! وليتك فعلت، فكان ذلك أيسر من غضبك. ثم من أعظم المصائب عندي أمرك إيّاي أن أسأل محمد بن واضح عن قول قلته فيّ عند عمرو بن بانة. فو اللّه- جعلت فداءك- إني لأبشع [٦] بذكره فكيف أحبّ أن أذكره و أذكر له!. و إني لأرثي لك من النّظر إليه، و أعجب من صبرك عليه، مع أني- أعوذ باللّه من ذلك- لو رغبت في هذا منه و من مثله لكفيتك و نفسي ذلك بأن أكسوه ثوبين، أو أهب له دينارين، أو أقول له أحسنت في صوتين، حتى نبلغ أكثر مما أردت لي أو أريده لنفسي. فالحمد للّه الذي جعل/ حظّي منك هذا! و مثله غير مستصغر لشأنك و لا مستقلّ لقليل حسن رأيك. و اللّه أسأل أن يطيل بقاءك، و يحسن جزاءك، و يجعلني فداءك. قد طال الكتاب، و كثر العتاب. و جملة ما عندي [٧] من الإعظام و الإجلال اللّذين لا أخاف أن أجعلهما عندك، و المحبة التي لا أمتنع منها و لا أعرف سواها، و السمع و الطاعة في تسليم ما تحب تسليمه و الإقرار بما أحببت أن أقرّ به، و سأشهد على ذلك محمد بن واضح و أشهد لك به من أحببت و أؤدّي الخراج. و لكن لا بدّ من فائدة و إلّا انكسر، فهات- جعلت فداءك- و أوف و استوف فإنك واجد صحة و استقامة إن شاء اللّه. مدّ اللّه في عمرك، و صبّرني عليك، و قدّمني قبلك، و جعلني من كل سوء فداءك.
[١] كذا في الأصول.
[٢] التعريد: الفرار.
[٣] لعله: «حظه».
[٤] كذا في ج. و في سائر الأصول «فيه» و هو تحريف.
[٥] كذا في الأصول.
[٦] بشع بالأمر: ضاق به ذرعا.
[٧] كذا في الأصول و لعلها: «و جملة ما عندي الإعظام و الإجلال اللذان إلخ».