الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٣٣ - سمع إسحاق الموصلي صوتا من لحنه و شعره فطرب له و استعاده عامة يومه و قصة ذلك
غنى للمعتصم لحنا و سمعه أحمد بن أبي دواد فمال للغناء بعد أن كان يتجنبه:
أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبيّ قال حدّثني جرير بن أحمد بن أبي دواد قال حدّثني أخي عن أبي قال:
كنت أتجنّب الغناء و أطعن على أهله و أذمّ لهجهم به؛ فوجّه المعتصم إليّ عند خروجه من مدينة السلام:
الحق بي؛ فلحقت به بباب الشمّاسيّة و معي غلامي زنقطة، فوجدته قد ركب الزورق، و سمعت عنده صوتا أذهلني حتى سقط سوطي/ من يدي و لم أشعر به، ثم احتجت و قد أعنق بي برذوني أن أكفّه بسوطي. فقلت لغلامي: هات سوطك؛ فقال: سقط و اللّه من يدي لمّا سمعت هذا الغناء. فغلبني الضّحك حتى بان في وجهي.
و دخلت إلى المعتصم بتلك الحال. فلمّا رآني قال لي: ما يضحكك يا أبا عبد اللّه؟ فحدّثته، فقال: أ تتوب الآن من الطعن علينا في السماع؟ فقلت له: قبل ذلك من كان يغنّيك؟ قال: عمّي إبراهيم، كان يغنّيني:
إنّ هذا الطويل من آل حفص
أنشر المجد بعد ما كان ماتا
ثم قال: أعده يا عمّ ليسمعه أبو عبد اللّه فإني أعلم أنه لا يدع مذهبه. فقلت: بلى و اللّه لأدعنّه/ في هذا و لا لمتك عليه. فقال: أمّا إذ [١] كانت توبته على يديك يا عمّ فلقد فزت بفخرها و عدلت برجل ضخم عن رأيه إلى شأننا.
فضله مخارق على نفسه و على إبراهيم الموصلي و ابن جامع:
حدّثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني طلحة بن عبد اللّه الطّلحيّ قال حدّثني الحسين بن إبراهيم [٢] قال:
كنت أسأل مخارقا: أيّ النّاس أحسن غناء؟ فيجيبني جوابا مجملا حتى حففت [٣] عليه يوما قال: كان إبراهيم الموصليّ أحسن غناء من ابن جامع بعشر طبقات، و أنا أحسن غناء من إبراهيم الموصليّ بعشر طبقات، و إبراهيم بن المهديّ أحسن غناء منّي بعشر طبقات. قال ثم قال لي: أحسن الناس غناء أحسنهم صوتا، و إبراهيم بن المهديّ أحسن الجنّ و الإنس و الوحش و الطير صوتا، و حسبك هذا.
سمع إسحاق الموصلي صوتا من لحنه و شعره فطرب له و استعاده عامة يومه و قصة ذلك:
حدّثني عليّ بن هارون المنجّم قال حدّثني محمد بن أحمد بن عليّ بن يحيى قال سمعت جدّي عليّ بن يحيى يقول حدّثني محمد بن الفضل الجرجرائي [٤] قال:
/ انتبهت يوما مغلّسا، فدخل إليّ الغلام فقال لي: إسحاق الموصليّ بالباب قبل أن أصلّي الغداة. فقلت:
يدخل، في الدنيا إنسان يستأذن لإسحاق! فدخل فقال: حملني الشوق إليك على أن بكرت هذا البكور، و قد حملت معي نبيذي و عملت على المقام عندك. فقلت: مرحبا بك و أهلا. و دعوت طبّاخي فسألته عمّا في
[١] كذا في ج. و في سائر الأصول: «إذا» و هو تحريف.
[٢] في ب، س: «الحسين بن إبراهيم بن رياح» و ورد في الأصول المخطوطة كما أثبتناه.
[٣] يقال حفه القوم و به و حواليه إذا أحدقوا به و أطافوا و عكفوا، فلعله يريد هنا حتى أحدقت به مضيفا عليه بالجواب.
[٤] كذا في الطبري (ق ٣ ص ١٣٧٩، ١٤٠٧، ١٥١٤) و في الأصول: «الجرجاني» و هو تحريف.