الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٩٦ - بخل مروان بن أبي حفصة و نوادر له في ذلك
أخبرنا أحمد بن عمّار و قال حدّثنا عليّ بن محمد النّوفليّ قال سمعت أبي يقول:
كان المهديّ يعطي مروان و سلما الخاسر عطيّة واحدة، و كان سلم يأتي باب المهديّ على البرذون قيمته عشرة آلاف درهم، و السّرج و اللجام المقذوذين [١]؛ و لباسه الخزّ و الوشي و ما أشبه ذلك من الثياب الغالية الأثمان، و رائحة المسك و الغالية و الطّيب تفوح منه، و يجيء مروان و عليه فرو كبش، و قميص كرابيس [٢] و عمامة كرابيس، و خفّا كبل [٣] و كساء غليظ منتن الرائحة، و كان لا يأكل اللّحم بخلا حتى يقرم [٤] إليه، فإذا قرم أرسل غلامه فاشترى له رأسا فأكله. فقيل له: نراك لا تأكل إلّا الرءوس في الصّيف و الشتاء، فلم تختار ذلك؟ قال:
نعم! الرأس أعرف سعره، و لا يستطيع الغلام أن يغبنني فيه، و ليس بلحم يطبخه الغلام فيقدر أن يأكل منه، إن مسّ عينا أو أذنا أو خدّا وقفت عليه، فآكل منه ألوانا، آكل عينيه لونا، و أذنيه لونا، و غلصمته [٥] لونا، و أكفى مئونة طبخه، فقد اجتمعت لي فيه مرافق.
أخبرنا يحيى بن عليّ قال أخبرنا أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر عن أبي العلاء المنقريّ قال حدّثني موسى بن يحيى قال:
أوصلنا إلى مروان بن أبي حفصة في وقت من الأوقات سبعين ألف درهم، و جمع إليها مالا حتى تمّت مائة و خمسين ألف درهم، و أودعها يزيد بن مزيد.
/ قال: فبينا نحن عند يحيى بن خالد إذ دخل يزيد بن مزيد، و كانت فيه دعابة، فقال: يا أبا عليّ أودعني مروان خمسين و مائة ألف درهم و هو يشتري الخبز من البقّال. قال فغضب يحيى ثم قال: عليّ/ بمروان، فأتي به. فقال له: أخبرني أبو خالد لما أودعته من المال و ما تبتاعه من البقّال، و اللّه لما يرى من أثر البخل عليك أضرّ من الفقر لو كان بك.
أخبرنا يحيى قال و حدّثني عمر بن شبّة عن أبي العلاء المنقريّ عن موسى بهذا الخبر، إلّا أنه قال: فقال له يحيى: يا مروان، و اللّه لا بالبخل أسوأ عليك أثرا من الفقر لو صرت إليه، فلا تبخل.
أخبرنا يحيى قال حدّثني عمر بن شبّة قال:
بلغني أن مروان بن أبي حفصة قال ما فرحت بشيء قطّ فرحي بمائة ألف وهبها لي أمير المؤمنين المهديّ، فوزنتها فزادت درهما فاشتريت به لحما.
أخبرنا يحيى قال حكى أبو غسّان عن أبي عبيدة عن جهم بن خلف قال:
أتينا اليمامة فنزلنا على مروان بن أبي حفصة، فأطعمنا تمرا، و أرسل غلامه بفلس و سكرّجة [٦] ليشتري له زيتا. فلما جاء بالزّيت قال لغلامه: خنتني! قال: من فلس كيف أخونك! قال: أخذت الفلس لنفسك و استوهبت الزيت.
[١] المقذوذ: المزين المسوّى.
[٢] الكرابيس: جمع كرباس و هو هنا الثوب الخشن.
[٣] الكبل: الكثير الصوف من الفراء.
[٤] كذا في أ، ح و قرم إلى اللحم اشتدت شهوته له. و في «الأصول»: «يقدم» بالدال المهملة و هو تحريف.
[٥] الغلصمة: اللحم بين الرأس و العنق، و قيل رأس الحلقوم بشواربه.
[٦] السكرجة: الصحفة.