الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٩٠ - صنعة أولاد الخلفاء الذكور منهم و الإناث
صنعة أولاد الخلفاء الذّكور منهم و الإناث
فأوّلهم و أتقنهم صنعة و أشهرهم ذكرا في الغناء إبراهيم بن المهديّ؛ فإنه كان يتحقّق [١] به تحقّقا شديدا و يبتذل نفسه و لا يستتر منه و لا يحاشي أحدا. و كان في أوّل أمره لا يفعل ذلك إلّا من وراء ستر و على حال تصوّن عنه و ترفّع، إلا أن يدعوه إليه الرّشيد في خلوة و الأمين بعده. فلمّا أمّنه المأمون تهتّك بالغناء و شرب النّبيذ بحضرته و الخروج من عنده ثملا و مع المغنّين، خوفا منه و إظهارا له أنه قد خلع ربقة الخلافة من عنقه و هتك ستره فيها حتى صار لا يصلح لها. و كان من أعلم الناس بالنّغم و الوتر و الإيقاعات و أطبعهم في الغناء و أحسنهم صوتا. و هو من المعدودين في طيب الصّوت خاصّة؛ فإنّ المعدودين منهم في الدولة العبّاسية: ابن جامع و عمرو بن أبي الكنّات و إبراهيم ابن المهديّ و مخارق. و هؤلاء من الطبقة الأولى، و إن كان بعضهم يتقدّم. و كان إبراهيم مع علمه و طبعه مقصّرا عن أداء الغناء القديم و عن أن ينحوه في صنعته، فكان يحذف نغم الأغاني الكثيرة العمل حذفا شديدا و يخفّفها على قدر ما يصلح [٢] له و يفي بأدائه. فإذا عيب ذلك عليه قال: أنا ملك و ابن ملك، أغنّي كما أشتهي و على ما ألتذّ. فهو أوّل من أفسد الغناء القديم، و جعل للناس طريقا إلى الجسارة على تغييره. فالناس إلى الآن صنفان: من كان منهم على مذهب إسحاق و أصحابه ممّن كان ينكر تغيير الغناء القديم و يعظم الإقدام عليه و يعيب من فعله، فهو يغنّي الغناء القديم على جهته أو قريبا منها. و من أخذ بمذهب إبراهيم بن المهديّ أو اقتدى به مثل مخارق و شارية و ريّق و من أخذ عن هؤلاء إنما يغنّي الغناء القديم كما/ يشتهي هؤلاء لا كما غنّاه من ينسب إليه، و يجد على ذلك مساعدين ممّن يشتهي أن يقرب عليه مأخذ الغناء و يكره ما ثقل و ثقلت أدواره، و يستطيل الزمان في أخذ الغناء الجيّد على جهته بقصر معرفته. و هذا إذا اطّرد فإنّما الصنعة لمن غنّى في هذا الوقت لا للمتقدّمين؛ لأنهم إذا غيّروا ما أخذوه كما يرون و قد غيّره من أخذوه عنه و أخذ ذلك أيضا عمّن غيّره، حتى يمضي على هذا خمس طبقات أو نحوها. لم [٣] يتأدّ إلى الناس في عصرنا هذا من جهة الطبقة غناء قديم على الحقيقة البتّة. و ممن أفسد هذا الجنس خاصّة بنو حمدون بن إسماعيل فإن أصلهم فيه مخارق، و ما نفع اللّه أحدا قطّ بما أخذ عنه، و زرياب الواثقيّة فإنها كانت بهذه الصورة تغيّر الغناء كما تريد، و جواري شارية و ريّق. فهذه الطبقة على ما ذكرت. و من عداهم من الدّور بمثل [٤] دور غريب و دور جواريها و القاسم بن زرزور و ولده و دور بذل الكبرى و من أخذ عنها، و جواري البرامكة و آل هاشم و آل يحيى بن معاذ و دور آل الرّبيع و من جرى مجراهم ممّن [٥] تمسّك بالغناء القديم و حمله كما سمعه، فعسى أن يكون قد بقي ممّن أخذ بذلك المذهب قليل من كثير، و على [٦] أن/ الجميع من
[١] كذا في الأصول. و لعلها «يتحفى به تحفيا ... إلخ».
[٢] في الأصول: «ما أصلح له» و هو تحريف.
[٣] في الأصول: «فلم».
[٤] لعله: «مثل».
[٥] لعله: «فقد».
[٦] لعله: «على».