معجم المصطلحات البلاغية و تطورها - احمد مطلوب - الصفحة ٦٥٠ - المناقضة
تعليق الشرط على نقيضين ممكن و مستحيل، و مراد المتكلّم المستحيل دون الممكن ليؤثر التعليق عدم وقوع المشروط فكأنّ المتكلّم ناقض نفسه في الظاهر إذ شرط وقوع أمر بوقوع نقيضين» «١» كقول النابغة الذبياني:
و إنّك سوف تحلم أو تناهى إذا ما شبت أو شاب الغراب
فان تعليقه وقوع حلم المخاطب على شيبه ممكن و على شيب الغراب مستحيل، و مراده الثاني لا الأوّل؛ لأنّ مقصوده أن يقول: إنّك لا تحلم أبدا.
و الفرق بين هذا النوع و نفي الشيء بإيجابه أنّ المناقضة ليس فيها نفي و لا إيجاب، و نفي الشيء بإيجابه ليس فيه شرط و لا معناه.
و من المناقضة نوع آخر يرجع أصله الى الأوّل «و هو أن يأتي في لفظ الوعد ما يدلّ على الوعيد فيسرّ المخاطب و يسوؤه في وقت واحد فيتوجه على ذلك اللفظ إشكال يوضحه بعده» «٢». كقوله تعالى:
إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ «٣» فقوله- سبحانه-: إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ وعد، و وصف كشف العذاب بالقلة وعيد، فهو يسر و يسوء في حالة واحدة، و إنما وصف بالقلة المنافية للكرم من أجل أنّه علّق كشف العذاب بشرط عدم العود الى موجب العذاب فاقتضت البلاغة أن يقول قَلِيلًا ليدمج في دلائل النبوة الإخبار بالغيب و هو وقوع العود فيرشح بذكر لفظة قَلِيلًا للإيضاح و الإخبار بوقوع العود الذي اقتضى أن يكون كشف العذاب قليلا من أجله. و الشرط المأخوذ من قوة الكلام هو الذي يردّ هذا النوع الى النوع الأول.
و من المناقضة نوع آخر و هو مناقضة المتكلّم غيره في معنى ما كمناقضة أبي القاسم بن واسانة نصيبا أو عبد بني الحسحاس في قوله:
فما زال بردي طيبا من ثيابها الى الحول حتى أنهج البرد باليا
فقال الواساني:
فصاك بي طيبه وصاك به مني صنان في حدّة البصل
فأخذ معنى بيت المعزّى في صدر بيته و ناقضه في بقيته لكنه قصر عنه.
و من هذا النوع قوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ «٤». فشرط سبحانه المثلية في المجازاة أمرا بالعدل فناقض في ذلك الجاهلية فيما كانوا عليه من مدح الظلم كقول عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا «٥»
و قد تكلّم قدامة بن قبل على التناقض و قال: «و مما يجب تقديمه أيضا أنّ مناقضة الشاعر نفسه في قصيدتين أو كلمتين بأن يصف شيئا وصفا حسنا ثم يذمه بعد ذلك ذمّا حسنا أيضا غير منكر عليه و لا معيب من فعله إذا أحسن المدح و الذم بل ذلك عندي يدل على قوة الشاعر في صناعته و اقتداره عليها» «٦» كما عابوا تناقض امرئ القيس في قوله:
فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة كفاني- و لم أطلب- قليل من المال
و لكنّما أسعى لمجد مؤثّل و قد يدرك المجد المؤثّل أمثالي
و قوله في موضع آخر:
فتملأ بيتنا أقطا و سمنا و حسبك من غنى شبع وريّ
(١) تحرير التحبير ص ٦٠٧، بديع القرآن ص ٣٢٣.
(٢) تحرير التحبير ص ٦٠٨، بديع القرآن ص ٣٢٤.
(٣) الدخان ١٥.
(٤) البقرة ١٩٤.
(٥) بديع القرآن ص ٣٢٤- ٣٢٦.
(٦) نقد الشعر ص ١٨.