معجم المصطلحات البلاغية و تطورها - احمد مطلوب - الصفحة ٦٣٢ - المعاني
أوّل من أطلق «معاني الكلام» على مباحث الخبر و الإنشاء التي أصبحت أهم أبواب علم المعاني.
و كان لنظرية النظم أثر كبير في ظهور هذا اللون من الدراسات، و للنحاة العرب يد طولى في دراسة الكلام و تحليله و الوقوف عند الجملة و ما يطرأ عليها من تقديم و تأخير أو ذكر و حذف. و لعل سيبويه كان من أقدم الذين وقفوا عند هذه الجوانب و درسها بعمق في فصول كتابه الشهير. و لكنّ سيبويه و النحاة لم يسمّوا هذه البحوث نظما و إنّما هي قواعد تسير عليها العرب في كلامها أو إنشائها. و اذا أردنا أن نتلمس فكرة النظم فينبغي أن نتلمسها في كتب أخرى، و أقدم إشارة عثرنا عليها عبارة ابن المقفّع التي أشار فيها الى صياغة الكلام، قال: «فاذا خرج الناس من أن يكون لهم عمل و أن يقولوا قولا بديعا فليعلم الواصفون المخبرون أنّ أحدهم و إن أحسن و أبلغ ليس زائدا على أن يكون كصاحب فصوص وجد ياقوتا و زبرجدا و مرجانا فنظمه قلائد و سموطا و أكاليل و وضع كل فصّ موضعه و جمع الى كل لون شبهه مما يزيده بذلك حسنا فسمي بذلك صائغا رقيقا، و كصاغة الذهب و الفضة صنعوا فيها ما يعجب الناس من الحلي و الآنية، و كالنحل وجدت ثمرات أخرجها اللّه طيبة و سلكت سبلا جعلها اللّه ذللا فصار ذلك شفاء و طعاما و شرابا منسوبا إليها مذكورا به أمرها و صنعتها. فمن جرى على لسانه كلام يستحسنه أو يستحسن منه فلا يعجبن به إعجاب المخترع المبتدع، فانه إنما اجتباه كما وصفنا».
و أخذ البلاغيون معنى هذا الكلام و أداروه في كتاباتهم من غير أن يشيروا الى ابن المقفّع، فقال الجاحظ: «فإنما الشعر صناعة و ضرب من النسج و جنس من التصوير» و تحدّث عن النظم في كتبه و سمّى أحدها «نظم القرآن». و كان لمسألة إعجاز القرآن الكريم أثر في بلورة فكرة النظم، فقد ذهب قوم من المتكلّمين إلى أنّ وجه الإعجاز هو ما اشتمل عليه كتاب اللّه العزيز من النّظم الغريب المخالف لنظم العرب و نثرهم في مطالعه و مقاطعه و فواصله. و ممن تحدثوا عن النظم أبو عبد اللّه محمد بن يزيد الواسطي و أبو سليمان حمد بن محمّد بن إبراهيم الخطابي و أبو الحسن علي بن عيسى الرّمّاني و أبو بكر محمّد ابن الطيب الباقلّاني و القاضي عبد الجبار الأسد آبادي. و كان لكلامهم أثر في هذه الدراسة التي بلغت نضجها على يدي عبد القاهر الذي أطال الكلام عليها و سمّى موضوعات علم المعاني: «معاني النحو» أو النظم، و هو عنده تعليق الكلام بعضه ببعض و جعل بعضه بسبب من بعض، أو هو «توخي معاني النحو». و تعدّ دراسته لموضوعات النظم في كتابه «دلائل الإعجاز» من أنضج الدراسات الأسلوبية. و حينما قسّم السّكّاكي البلاغة الى علومها المعروفة أطلق مصطلح «علم المعاني» على الموضوعات التي سمّاها عبد القاهر نظما، و هو مصطلح ليس جديدا من حيث الاسم و لكنه جديد من حيث الدّلالة. و كان الزمخشري و الرازي و المطرّزي قد ردّدوا هذا المصطلح، و لكنهم لم يحدّدوه أو يضعوا له منهجا واضحا، و بذلك كان السّكّاكي أوّل من استخدم هذا المصطلح للدلالة على بعض موضوعات البلاغة.
و أخذ البلاغيون بهذا المنهج و عرّف القزويني علم المعاني بأنّه «علم يعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق مقتضى الحال» و حصر علم المعاني في ثمانية أبواب:
الأوّل: أحوال الإسناد الخبري.
[١] الادب الصغير- آثار ابن المقفع ص ٣١٩، رسائل البلغاء ص ٥- ٦.
[٢] الحيوان ج ٣ ص ١٣٢.
[٣] دلائل الاعجاز ص (ص).
[٤] الكشاف ج ١ ص (ك)، نهاية الايجاز ص ٣٦، الايضاح في شرح مقامات الحريري ص ٢٥.
[٥] الايضاح ص ١٢، التلخيص ص ٣٧.