معجم المصطلحات البلاغية و تطورها - احمد مطلوب - الصفحة ٦٧ - الاستحالة و التناقض
و «لا» النافية، مثلها في قوله تعالى: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ [١]، لان تقدير البيت هكذا: «اليك تحث الركائب و الا» أي و إن لم تحث اليك لا تحث.
و «عنك يحدث المحدث و إلا» أي و ان لم يحدث عنك فالمحدث كاذب. و أما معناه الذي ذكره فالاستثناء فيه ظاهر، فعلى هذا فالأليق أن يسمى هذا استثناء معنويا لئلا يتوهم من لا له دربة في العربية أن «إلّا» فيه هي الاستثنائية فيخبط خبط عشواء» [٢].
الاستثناء المعنويّ:
هو استثناء الحصر الذي تحدث عنه المصري في باب الاستثناء و قال إنّه نوع وقع له فسماه بهذا الاسم [٣]، و لكن المدني فضّل أن يسمى هذا النوع «الاستثناء المعنوي» لئلا يتوهم من لا له دربة في العربية ان «إلّا» فيه هي الاستثنائية فيخبط خبط عشواء [٤].
الاستحالة و التّناقض:
الاستحالة من استحال، و قد قيل: كل شيء تغير عن الاستواء الى العوج فقد حال و استحال و هو مستحيل. و كلام مستحيل أي محال، و المحال ما عدل به عن وجهه. و يقال: أحلت الكلام أحيله إحالة اذا أفسدته، و أحال الرجل أتى بالمحال و تكلم به أي بما لا يمكن وقوعه [٥]. و للاستحالة معنى آخر و هو «حركة في الكيف كتسخن الماء و تبرده مع بقاء صورته النوعية» [٦]، و الأول هو ما يتصل بالاستحالة في البلاغة؛ أما الثاني فهو مما يدخل في غير هذا الفن.
و الاستحالة و التناقض من عيوب المعاني و قد تحدث عنهما قدامة فقال: «و هما أن يذكر في الشعر شيء فيجمع بينه و بين المقابل له من جهة واحدة.
و الأشياء تتقابل على أربع جهات: إما عن طريق المضاف، و معنى المضاف هو الشيء الذي يقال بالقياس الى غيره مثل الضعف الى نصفه، و المولى الى عبده، و الأب الى ابنه، فكل واحد من الأب و الابن و المولى و العبد و الضعف و النصف يقال بالاضافة الى الآخر، و هذه الأشياء من جهة ما ان كان واحد منها يقال بالقياس الى غيره هي من المضاف، و من جهة أن كل واحد منها بازاء صاحبه كالمقابل له فهي من المتقابلات.
و إما على طريق التضاد مثل: الشرير للخيّر و الحار للبارد و الأبيض للأسود. و إمّا على طريق العدم و القنية [٧] مثل الأعمى و البصير و الأصلع و ذي الجمّة. و إما على طريق النفي و الاثبات مثل أن يقال:
«زيد جالس، زيد ليس بجالس» فاذا أتى في الشعر جمع بيع متقابلين من هذه المتقابلات و كان هذا الجمع من جهة واحدة فهو عيب فاحش غير مخصوص بالمعاني الشعرية بل هو لا حق بجميع المعاني. و أعني بقولي: «من جهة واحدة» انه قد يجوز أن يجتمع في كلام منثور أو منظوم متقابلان من هذه المتقابلات و يكون ذلك الاجتماع من جهتين لا من جهة واحدة فيكون الكلام مستقيما غير محال و لا متناقض. مثال ذلك أن يقال في تقابل المضاف: إنّ العشرة مثلا ضعف و إنّها نصف، لكن يقال إنّها ضعف لخمسة و نصف لعشرين، فلا يكون ذلك محالا إذا قيل من جهتين، فاما من جهة واحدة كما اذا قيل إنّها ضعف و نصف لخمسة، فلا. و كذلك يجوز أن يجتمع المتقابلات على طريق العدم و القنية من جهتين مثال ذلك أن يقال: «زيد أعمى بصير القلب» فيكون ذلك صحيحا، فاما من جهة واحدة
[١] التوبة ٤٠.
[٢] أنوار الربيع ج ٣ ص ١١٣- ١١٤.
[٣] تحرير التحبير ص ٣٣٧.
[٤] أنوار الربيع ج ٣ ص ١١٣- ١١٤.
[٥] اللسان (حول).
[٦] التعريفات ص ١٤.
[٧] القنية؛ ما اكتسب، يقال «له غنم قنية» أي خالصة له ثابتة عليه.