معجم المصطلحات البلاغية و تطورها - احمد مطلوب - الصفحة ٦٦١ - النظم
إعجاز القرآن الكريم فقد ذهب بعضهم الى أنّ القرآن معجز بنظمه العجيب. و كان ابن المقفّع قد أشار الى نظم الكلام و أنّ الناظم كصاحب الفصوص وجد ياقوتا و زبر جدا و مرجانا فنظمه قلائد و سموطا و أكاليل و وضع كل فصّ موضعه و جمع الى كل لون شبهه مما يزيده بذلك حسنا فسمّي بذلك صائغا رقيقا [١].
و تحدّث الجاحظ عن النظم و سمّى أحد كتبه «نظم القرآن» و ذهب الى أنّ كتاب اللّه معجز بنظمه البديع «الذي لا يقدر على مثله العباد» [٢]. و تطوّرت الفكرة عند أبي سعيد السيرافي الذي قال: «معاني النحو منقسمة بين حركات اللفظ و سكناته و بين وضع الحروف في مواضعها المقتضبة لها و بين تأليف الكلام بالتقديم و التأخير و توخّي الصواب في ذلك و تجنّب الخطأ في ذلك و إن زاغ شيء عن النعت فإنه لا يخلو أن يكون سائغا بالاستعمال النادر و التأويل البعيد أو مردودا لخروجه عن عادة القوم الجارية على فطرتهم» [٣].
و أطال علماء الإعجاز في هذه المسألة و قال الباقلّاني: «فأما شأو نظم القرآن فليس له مثال يحتذى عليه و لا إمام يقتدى به و لا يصح وقوع مثله اتفاقا كما يتفق للشاعر البيت النادر و الكلمة الشاردة و المعنى الفذ الغريب و الشيء القليل العجيب» [٤].
و قال: «ليس الإعجاز في نفس الحروف و إنّما هو في نظمها و إحكام رصفها و كونها على وزن ما أتى به النبي- صلّى اللّه عليه و سلّم- و ليس نظمها أكثر من وجودها متقدّمة و متأخرة و مترتّبة في الوجود، و ليس لها نظم سواها» [٥].
و كان القاضي عبد الجبّار أكثر وضوحا حينما رأى أنّ الفصاحة و البلاغة تقومان على ضمّ الكلمات و تقارنها [٦]. و تلقّف عبد القاهر ما كان من مسائل النظم و خطا خطوة واسعة و وضع أصول نظرية النظم التي جمدت بعد ذلك في مباحث علم المعاني عند السّكّاكي و القزويني و شرّاح التلخيص.
و ليس النظم عند عبد القاهر سوى تعليق الكلم بعضها ببعض و جعل بعضها بسبب من بعض [٧].
و ليس النظم سوى حكم من النحو نتوخّاه، أي أنّه معاني النحو قال: «و اعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو و تعمل على قوانينه و أصوله و تعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها و تحفظ الرسوم التي رسمت فلا تخلّ بشيء منها.
و ذلك أنّا لا نعلم شيئا يبتغيه الناظم بنظمه غير أن ينظر في وجوه كل باب و فروقه» [٨].
و الفرق بين الأساليب ليس فرقا في الحركات و ما يطرأ على الكلمات و إنما في معاني العبارات التي يحدثها ذلك الوضع و النظم الدقيق، و لذلك فليست العمدة في معرفة قواعد النحو وحدها و لكن فيما تؤدّي اليه هذه القواعد و الأصول، أي أنّ الهدف منها الدلالة على المعنى. و قد كان النحو عند عبد القاهر واسعا أخذ به البلاغيون و بنوا عليه علم المعاني، و فرق كبير بين توخّي معاني النحو و الخروج عليها فالفرزدق أفسد عبارته حينما قال:
و ما مثله في الناس إلا مملّكا
أبو أمه حيّ أبوه يقاربه