معجم المصطلحات البلاغية و تطورها - احمد مطلوب - الصفحة ٤٧٣ - الحل
لمن أنشد قصيدة لامرىء القيس بانه كلام امرىء القيس، لأنّ كلامه في الحقيقة هو ما نطق به و أما حكايته فكلام غيره لكنه قد صار حقيقة لسبقه الى الافهام بخلاف الحقيقة، و كتسميتهم الشيء باسم ما يتعلق به كتسميتهم قضاء الحاجة بالغائط و هو المكان المطمئن من الارض فاذا اطلق فان السابق الى الفهم منه مجازه و هو قضاء الحاجة دون حقيقته و هو المكان المطمئن. فصارت هذه الامور المجازية حقائق بالتعريف من جهة أهل اللغة تسبق الى الافهام معانيها دون حقائقها الوضعية اللغوية.
الثانية: قصر الاسم على بعض مسمياته و تخصيصه به نحو لفظ «الدابة» فإنّها جارية في وضعها اللغوي على كل ما يدبّ من الحيوانات من الدودة الى الفيل ثم إنّها اختصت ببعض البهائم. و منه لفظة «الجن» فإنّها موضوعة لكل ما استتر ثم اختصت ببعض من يستتر عن العيون، و «القارورة» فانها موضوعة لمقر المائعات ثم اختصت ببعض الآنية دون غيرها مما يستقر فيه.
و الحقيقة العرفية الخاصة هي التي وضعها أهل عرف خاص و جرت على ألسنة العلماء من الاصطلاحات التي تخص كل علم، فانها في استعمالها حقائق و إن خالفت الأوضاع اللغوية نحو ما يجريه النحويون في كتبهم من الرفع و النصب و الجر و الجزم، و ما يجريه أهل الحرف و الصناعات و العلوم فيما يفهمونه بينهم.
الحقيقة اللّغويّة:
هي ما وضعها واضع اللغة و دلّت على معان مصطلح عليها في تلك المواضعة كألفاظ القلم و الكتاب و الشمس و القمر، فاذا استعملت في معناها الأصلي فانها تكون حقيقة، و اذا استعملت في غيره فانها تكون مجازا» [١]. و الحقيقة اللغوية هي أساس اللغة، اما الحقيقة الشرعية و الحقيقة العرفية فهما نقل لها الى معان جديدة يصطلح عليها الناس.
الحلّ:
حلّ العقدة يحلّها حلا: فتحها و نقضها فانحلت، و الحلّ: حلّ العقدة [٢].
الحلّ من أساليب الكتابة المعروفة منذ القديم، و قد أشار العتابي اليها، سئل يوما: «بماذا قدرت على البلاغة؟» فقال: «بحل معقود الكلام، فالشعر رسائل معقودة و الرسائل شعر محلول» [٣].
و بحث ابن منقذ «الحل و العقد» في باب واحد و قال: «إنّ الحلّ و العقد هو ما يتفاضل فيه الشعراء و الكتاب، و هو أن يأخذ لفظا منثورا فينظمه أو شعرا فينثره و يطارحه العلماء فيما بينهم» [٤].
و فعل مثله ابن الأثير الحلبي و ابن قيّم الجوزيّة إذ جمعا الحلّ و العقد في باب واحد [٥]، و تحدّث العسكري عنه في «حسن الأخذ» و قال: «إنّ المحلول من الشعر على أربعة اضرب: فضرب منها يكون بإدخال لفظة بين ألفاظه، و ضرب ينحلّ بتأخير لفظة منه و تقديم أخرى فيحسن محلوله و يستقيم و ضرب منه ينحلّ على هذا الوجه و لا يحسن و لا يستقيم، و ضرب تكسو ما تحلّه من المعاني ألفاظا من عندك، و هذا ارفع درجاتك» [٦].
فأمّا الضرب الأوّل فكقول قليب المعتزلي لبعض الملوك يستعطفه على رجل من أهله: «جعلني اللّه فداءك، و ليس هو اليوم كما كان، إنّه و حياتك أفلت بطالته أي و اللّه و راجعه حلمه و أعقبه- و حقّك- الهوى ندما، أنحى الدهر- و اللّه- عليه بكلكله فهو اليوم إذا
[١] المصادر السابقة.
[٢] اللسان (حلل).
[٣] عيار الشعر ص ٧٨.
[٤] البديع في نقد الشعر ص ٢٥٩.
[٥] جوهر الكنز ص ١٩٥، الفوائد ص ٢٢٥.
[٦] كتاب الصناعتين ص ٢١٦- ٢١٧.