معجم المصطلحات البلاغية و تطورها - احمد مطلوب - الصفحة ٢١ - الابتداء
يكون البيت صحيح المعنى مستقيم الوزن، لا يضطر الشاعر فيه لاقامة الوزن الى اخراج المعنى عن وجه الصحة أو تقديم أو تأخير أو حذف [١]»، و ذكر أمثلة الفن السابق. و لكنّ حازما القرطاجني تحدث عن صلة الوزن بالمعنى، أي أنّ للاعاريض اعتبارا من جهة ما تليق به من الأغراض فمنها أعاريض فخمة تصلح للفخر، و منها أعاريض رقيقة تصلح لاظهار الحزن، و على هذا الأساس قسّم أوزان الشعر الى السّبط، و الجعد، و اللين الشديد، و الذي بين بين. و يقوم هذا التقسيم على اعتبار الحركات و السكنات، فالسبطات هي التي تتوالى فيها ثلاثة متحركات، و الجعدة هي التي تتوالى فيها أربعة سواكن من جزءين أو ثلاثة من جزء- أي لا يكون بين ساكن منها و آخر إلّا حركة- و المعتدلة هي التي تتلاقى فيها ثلاثة سواكن من جزءين أو ساكنان في جزء، و القوية هي التي يكون الوقوف في نهاية أجزائها على وتد أو سببين. و الضعيفة هي التي يكون الوقوف في نهاية أجزائها على سبب واحد و يكون طرفاه قابلين للتغيير [٢]. و هذه الحركات و السكنات لها ميزة في السمع و صفة أو صفات تخصه من جهة ما يوجد له رصانة في السمع أو طيش، و من جهة ما يوجد له سباطة و سهولة أو جعودة و توعّر. و لما كانت أغراض الشعر مختلفة وجب أن تحاكى تلك الأغراض و المقاصد بما يناسبها من الاوزان، و أعلى البحور درجة الطويل و البسيط و يتلوهما الوافر و الكامل، و مجال الشاعر في الكامل أفسح منه في غيره، و يتلو ذلك الخفيف. أما المديد و الرمل ففيهما ضعف و لين، و أما المنسرح ففيه اضطراب و تقلقل، و في السريع و الرجز كزازة، و في المتقارب سذاجة لتكرار أجزائه و إن كان الكلام فيه حسن الاطراد، و في الهزج سذاجة و حدّة، و في المجتث و المقتضب حلاوة قليلة على طيش فيهما، و في المضارع قبح، و لذلك ينبغي أن يصاغ الشعر في الوزن الذي يلائم معناه.
و لم يتحدث البلاغيون الآخرون مثل هذا الحديث و انما تابعوا قدامة مع أنّ الفلاسفة المسلمين أشاروا الى هذه المسألة فقال الفارابي و هو يتحدث عن اليونان:
«جعلوا لكل نوع من أنواع الشعر نوعا من أنواع الوزن مثل أنّ أوزان المدائح غير أوزان الأهاجي، و أوزان الأهاجي غير أوزان المضحكات و كذلك سائرها» [٣] و قال ابن سينا: «و اليونانيون كانت لهم أغراض محدودة فيما يقولون الشعر و كانوا- يخصون كل غرض بوزن على حدة، و كانوا يسمون كل وزن باسم على حدة» [٤]. و لعل حازما أراد أن يثبت غير ما قاله هذان الفيلسوفان حينما نسبا هذه المزية الى اليونان وحدهم فتحدث عن صلة الوزن بأغراض الشعر العربي، أو «ائتلاف الوزن مع المعنى»، و لكنه لم يفصّل القول في ذلك و ظل بعيدا عن كشف أسرار هذا الائتلاف، و ظل البلاغيون الآخرون مرتبطين بما قاله قدامة في هذا الفن.
الابتداء:
ذكر البلاغيون أنّ الأديب ينبغي أن يتأنّق في ثلاثة مواضع من كلامه حتى يكون أعذب لفظا، و أحسن سبكا، و أصحّ معنى. و هذه المواضع هي: الابتداء، و التخلص، و الانتهاء.
و الابتداء أن يكون مطلع الكلام شعرا أو نثرا، أنيقا بديعا، لأنّه أول ما يقرع السمع فيقبل السامع على الكلام و يعيه، و إن كان بخلاف ذلك أعرض عنه و رفضه و إن كان في غاية الحسن. و قد استحسن القدماء مطلع النابغة الذبياني:
كليني لهمّ يا أميمة ناصب
و ليل أقاسيه بطيء الكواكب