الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٤٣
العالية هيئات مؤلمة شريرة و أوهام مظلمة موحشة معذبة حتى يتعذب بها الأشقياء- و ما يتعذب به تلك النفوس على ما اعترفوا ليس إلا هيئاتها الردية و تخيلاتها الكاذبة و عقائدهم الباطلة و آرائهم الخبيثة دون الصور المطابقة لما في الواقع لأن الكائن في القابل الذي في غاية الخلوص و الصفاء كالأجرام العالية من الفاعل الذي في غاية الشرف و التقدس كالمبادي العقلية لا يكون إلا صورا حقة و مثلا عينية مطابقة للأمور الواقعة في نفس الأمر فلا يستتم ما قالوه و لا يستقيم ما تصوروه من كون تلك الصور مما يتعذب به الأشقياء كما أن هذا الرأي في الجرم الفلكي غير صحيح فكذلك في الجرم الإبداعي- المنحصر نوعه في شخصه غير صحيح لأن هذا الجرم أيضا طبيعة خامسة فلكية على ما صوره و إن كان حيزه تحت كرة القمر للزوم كونه عديم الحركة الغير المستديرة دائما- و سائر ما يلزمه من صفات الأفلاك و لعل عدد نفوس الأشقياء غير متناه فكيف يكون جرم موضوعا لتخيلاتهم أي لتصرفات نفوسهم فيه و في صورها الإدراكية الغير المتناهية- المنقوشة فيه كما هو رأي هؤلاء القوم و لا أقل من أن يكون ذا قوة غير متناهية إذ لا بد أن يكون بإزاء كل ارتسام بصورة في جسم قوة استعدادية أو انفكاك في ذلك الجسم- و هو معلوم الفساد بل الحق ما حققناه من أن الصور الملذة للسعداء أو المؤلمة للأشقياء في النشأة الثانية كما وعدها صاحب الشريعة الإلهية و أوعد عليها هي واقعة في نشأة أخرى و في صقع آخر غير حالة في جرم من الأجرام و لا قائمة في قوة جرمية بل قائمة بذواتها إنما مظاهرها نفوس هاتين الطائفتين بضرب من الفعل و التأثير كما أن الصور و الأشباح التي في المرآة ليست قائمة بها بل مظهرها تلك المرآة بضرب من القبول- و لا منافاة بين صدور الفعل عن قوة بجهة و انفعالها إلذاذا و إيلاما بجهة أخرى كما أن
گر ز خارى خستهاى خود كشتهاى
ور حرير قز درى خود رشتهاى
[١] الصحة و المرض البدنيين ينشئان من نفسه في بدنه في هذه الدار ثم تنفعل
[١] و كما أن الإنسان في النوم تنشئ نفسه الصور البهية و تلتذ نفسه بها و تنفعل منها و الصور الموحشة و تنفعل بالخوف الألم منها فكما أن الطبيعة هنا بأسباب معدة- من حسن تدبير أو سوء تدبير تعين عليها الصحة المعينة أو المرض المعين و لا تخصص من غير مخصص و الشيء ما لم يجب لم يوجد و النفس أيضا هنا بأسباب مهيئة من أعمال اختيارية في اليقظة و أمور طبيعية مزاجية في البدن و روحه البخاري تعين عليها تصوير صورة خاصة من غير أن تكون بإرادة جزافية كذلك النفس في النشأة الآخرة لأجل سبق أعمال و ملكات ساقها الأسباب القدرية إلى إنشاء صور أخروية مناسبة لها لا يجوز عليها غيرها- و إن قويت مكيدته و اشتدت مقدرته إذ السنخية معتبرة بين العلة و المعلول و لهذا ورد إنما هي أعمالكم ترد إليكم و نعم ما قال المولوي-
گر ز خارى خستهاى خود كشتهاى
ور حرير قز درى خود رشتهاى
و لما كان كل المبادي المفارقة و المقارنة وسائط فيضه تعالى و جهات فاعليته تعالى- فالكل من عنده قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ و كما لا ينافي موجوديته الحقيقية موجودية الأشياء- كذلك لا ينافي إيجاده الحقيقي المحيط و عموم قدرته موجودية الأشياء و فاعليتها فالإنسان لا بد أن يكون ذا العينين و هو الحسنة بين السيئتين، س ره