الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٧٧
و أما بيانها على النهج التفصيلي البرهاني و المسلك التعليمي اللمي على النظم الميزاني بإيراد ما يتوقف إثباتها عليه من المقدمات و الأصول الضرورية و القواعد الكلية البرهانية بحيث لم يبق لأحد بعد الاستماع مجال للبحث و الإنكار و لا مساغ للمنع و الاستنكار إلا لقصور الطبع أو سوء الفهم و الاعوجاج أو مرض العناد و الاستنكار فقد قرب إنجاز موعده و إبراز سره و مقصده إن شاء الله تعالى.
و أما إجماله فبأن يعلم أن النفس الإنسانية لكونها من سنخ الملكوت و نشأة القدرة و القوة على اختراع الصور من غير مادة لكن الصور التي يخترعها حين تعلقها بهذا البدن العنصري الكثيف المركب من الأضداد و ما يحتاج إليه من جلب المنافع و دفع المضار و غير ذلك من التدابير و التصرفات الشاغلة لا تكون إلا ضعيفة الوجود ناقصة الكون لا يترتب عليها الآثار المطلوبة منها و لا تكون أيضا ثابتة مستقرة بل زائلة متغيرة لأن مظهرها الآن جرم بخاري في الدماغ و هو دائم التحلل و التجدد و الزوال و الانتقال حسب اختلاف أمزجة العضو الدماغي من جهة ما يرد عليه من المغيرات الداخلية و الخارجية- حتى لو فرض وجود تلك الصور أقوى و أدوم مما كانت من جهة عدم الشواغل و جمع الهمة- و عزل سائر القوى البدنية عن فعلها لكانت الآثار المطلوبة مترتبة عليها و لم يبق فرق حينئذ بين الصور المتخيلة و الموجودة في العين و لكان الخيال حسا و المتخيل محسوسا- أ لا ترى أنه كلما استراحت النفس من الاشتغال و الحركات الضرورية في حفظ هذا البدن المجتمع من الأمور المتنافرة المتداعية إلى الانفكاك و تعطلت الحواس الظاهرة عن فعلها- إما بالنوم أو الإغماء أو بانصراف توجه النفس عن استعمالها إلى الجنبة العالية بقوة فطرية- أو مكتسبة اغتنمت الفرصة و رجعت إلى ذاتها بعض الرجوع لا كله لأن القوى الطبيعية و النباتية و غيرها مستعملة و إلا لحدث الموت و تعفن البدن برطوباته فبهذا الرجوع أصبحت النفس مخترعة للصور مشاهدة إياها بحواسها التي في ذاتها بلا مشاركة البدن- فإن لها في ذاتها سمعا و بصرا و شما و ذوقا و لمسا إذ لو لم تكن لها في ذاتها هذه الخمسة- فكيف يكون الإنسان حالة النوم أو الإغماء يبصر و يسمع و يشم و يذوق و يلمس مع أن حواسه الظاهرة معطلة عن إدراكاتها بل هي أتم و أصفى لأن هذه كالقشور لها و كما