الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٧٢
أن جميع أمور الآخرة من عذاب القبر و الضغطة و المنكر و النكير و الحيات و العقارب و غيرها أمور واقعة محسوسة من شأنها أن يحس بهذه الباصرة لكن لا رخصة من الله في إحساس الإنسان ما دام في الدنيا لحكمة و مصلحة من الله في إخفائها عن عيون الناظرين كما يدل عليه ظاهر بعض الآيات و صورة الروايات.
المقام الثاني
أن تلك الأمور الموعودة بها أو المتوعد عليها في عالم الآخرة هي مثل ما يرى في المنام كلها أمور خيالية و صور مثالية لا وجود لها في الخارج كما لا وجود لها عينيا لما يراه الإنسان في نومه من الحيات و العقارب التي تلدغها إلا أنها كثيرا ما يتألم منها في النوم حتى يراه يصيح في نومه و يعرق و ينزعج من مكانه انزعاجا شديدا و كذا في جهة اللذة فإنه ربما يلتذ بشيء في النوم التذاذا شديدا لا يلتذ مثل هذا الالتذاذ و السرور في اليقظة كل ذلك يدركه النائم من نفسه و يتأذى أو يلتذ به و يشاهد كثيرا من الصور و الأشكال و يفعل أفاعيل خيالية و أنت ترى ظاهره ساكنا و لا يرى حواليه حية موجودة- و هي موجودة في حقه و العذاب حاصل في حقه و لكنه غير مشاهد و إذا كان العذاب في ألم اللدغ فلا فرق [١] بين حية يتخيل أو يشاهد و كذا الحال في الجنات و الأشجار و الأنهار- و المواضع النزهة و الأشخاص الكريمة التي يراها و يسر بها في نومه حاصلة له موجودة في حقه إدراكا ذهنيا لا عينيا خارجيا و لا مشاهدة بالحواس الظاهرة و هذا هو الذي مال إليه الشيخ في باب جنة الناقصين في العلم و نار القاصرين في العمل من الفساق و غيرهم و تبعة الغزالي على ما مر كما يظهر من كتبه و رسائله و قد نقلنا نبذا من كلامه في ذلك.
المقام الثالث
في الاعتقاد بالصور الموعودة يوم المعاد و توجيهه بأحد وجهين.
الأول أن تلك الصور المحسوسة المذكورة في لسان الشرع إشارة إلى صور [٢] عقلية
مفارقة واقعة في عالم العقول الصرفة حسب ما ذهب إليه أفلاطون و شيعته من أن
[١] كما قيل خذ الغايات و دع المبادي، س ره
[٢] و ليس شيء من الموجودات إلا و له صورة في عالم العقول المتكافئة حتى للماء و التراب و الهواء و النار و الذهب و الفضة و المعادن الأخرى فجميع الموجودات عندهم- تنزل على الحقائق إذ لم يقولوا بالرقائق و هو قصور عظيم، س ره