الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٣٦
عدد طبقاته أكثر و التفاوت بين أسفله و أعلاه أشد فلا يبلغ الإنسان إلى أدنى درجات عالم النهايات إلا بعد طي درجات عالم الأوساط كلها و لا يبلغ إلى أدنى درجات عالم الأوساط إلا بعد طي درجات عالم البدايات كلها و هو عالم المحسوسات المادية- فجميع العوالم و درجاتها هي منازل السائرين إلى الله تعالى ففي كل منزل منها للسالك خلع و لبس جديد و موت و بعث منه و حشر إلى ما بعده فعدد الموت و البعث و الحشر كثير لا يحصى و قيل بعدد الأنفاس و هو الصحيح عندنا بالبرهان الذي أقمنا على أن لا ساكن في هذا العالم من الجواهر الطبيعية سيما الجوهر الإنساني المتحرك في ذاته إلى عالم الآخرة ثم إلى الحضرة الإلهية و لا بد من وروده أولا إلى أولى مراتب المحسوسات ثم يرتقي قليلا قليلا إلى أن يتخلص منها و إليه الإشارة بقوله تعالى- وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ نَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا [١] فإن كل واحد من أفراد الناس بواسطة وقوعه في عالم الطبيعية الكائنة يحصل له استحقاق عذاب النار لو لم يتبدل نشأته و لم ينجبر سيئته الفطرية بفعل الطاعات و ترك الشهوات كما قال تعالى فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ.
فإن قلت هذا الذي ذكرت ينافي معنى
قوله ع: كل مولود يولد على الفطرة الحديث
. قلت لا منافاة بينهما لأن المذكور في الحديث هو فطرة الروح لأنها بحسب ذاتها من عالم القدس و الطهارة و الذي كلامنا فيه هو ابتداء نشأة البدن و وقوع النفس فيها فهي فطرة البدن الذي حصل من الأجسام الحسية المادية التي وجودها أخس الوجودات و أظلمها و أبعدها عن الله و ملكوته
و قد ورد في الحديث النبوي ص: أنه تعالى ما نظر إلى الأجسام مذ خلقها
و بما ذكرناه أيضا اندفع التدافع بين حديثين [٢]
[١]
: لما فسره ع هذا بورود الكل على النار سئل أ و أنتم فقال ع نعم جزناها و هي خامدة
أي لم يقعوا في أشراك الدنيا و حبالها و لم ينشب فيهم مخالبها فمن كان في الدنيا و حاله هكذا يقول الله تعالى لنارها كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً على عبدنا فلا تحرقه نارها التي في حقه- كالنور و لا يغرقه بحرها المسجور، س ره
[٢] و كذا بين حديثين
أحدهما: كل مولولد يولد على الفطرة
و الآخر
: السعيد سعيد في بطن أمه و الشقي شقي في بطن أمه
فالأول باعتبار فطرة الروح التي من عالم العصمة و الطهارة و الثاني باعتبار فطرة البدن و مزاجه الفاضل المحمود و كينونته في الأصلاب الشامخة و الأرحام المطهرة أو مزاجه السيئ المذموم و كينونته في مقابل ما ذكر و أيضا الأول باعتبار فطرة الروح النورية و الثاني باعتبار كينونة النفس في بطن الأمهات الأربع و تخمير طينة وجودها من الملكات الحميدة أو الرذيلة و أيضا الأول كما مر و الثاني باعتبار الكينونة العلمية في أم الكتاب و أم الأقلام موافقا لحديث شريف آخر هو
: إن السعيد سعيد في الأزل و الشقي شقي لم يزل
، س ره