الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٣٤
مسئولون [١] فإذا دخلوا الجنة و استقروا فيها ثم دعوا إلى الرؤية [٢] و نودوا حشروا في صورة لا تصلح إلا للرؤية فإذا عادوا حشروا في صورة تصلح للجنة و في كل صورة تنسى صورته التي كان عليها و يرجع حكمه إلى حكم الصورة التي انتقل إليها و حشر فيها- فإذا دخل [٣] سوق الجنة و رأى ما فيه من الصور فأية صورة رآها و استحسنها حشر فيها فلا يزال في الجنة دائما يحشر من صورة إلى صورة إلى ما لا نهاية له ليعلم بذلك الاتساع الإلهي فلا يزال يحشر في الصور دائما يأخذها من سوق الجنة و لا يقبل منها إلا ما يناسب صورة التجلي الذي يكون في المستقبل لأن تلك الصورة هي كالاستعداد الخاص لذلك التجلي فاعلم هذا فإنه من لباب المعرفة الإلهية و لو تفطنت لعرفت [٤] أنك الآن كذلك تحشر في كل نفس في صورة الحال التي أنت عليها و لكن يحجبك عن ذلك رؤيتك المعهودة و إن كنت تحس بانتقالك في أحوالك التي عنها تنصرف في ظاهرك و باطنك- و لكن لا تعلم أنها صورة لروحك تدخل فيها في كل آن و يحشر فيها و يبصرها العارفون صورا صحيحة ثابتة ظاهرة العين فالعارف يقدم قيامته في موطن التكليف الذي يئول إليها جميع الناس فيزن على نفسه أعماله و يحاسب نفسه هاهنا قبل الانتقال كما حرص الشرع عليه فقال حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا و لنا فيه مشهد عظيم عايناه و انتفعنا بهذه المحاسبة انتهت عبارتهو إنما نقلنا بطوله لما فيها من الفوائد النفيسة و للاتفاق في كثير من وجوه الحشر المذكورة فيها لما ذكرناه و إن وقعت المخالفة في البعض لأن من عادة الصوفية الاقتصار على مجرد الذوق و الوجدان فيما حكموه عليه و أما نحن فلا نعتمد كل الاعتماد على ما لا برهان عليه قطعيا و لا نذكره في كتبنا الحكمية.
تذكرة فيها تبصرة:
اعلم أيها السالك إلى الله تعالى و الراغب في دار كرامته أن هذه الأمور الجسمانية و الصور المادية جعلها الله كلها مثالات
[١] لأن السؤال أحد أنواع عذابهم، س ره
[٢] إشارة إلى قوله تعالى يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ، س ره
[٣] إشارة إلى حديث مر في الكلام المنقول عن الغزالي أن في الجنة سوقا يباع فيه الصور، س ره
[٤] قد مر منا أن الإنسان بحسب الروح كالجن بحسب الظاهر يتشكل بالأشكال المختلفة لقد صار قلبي إلخ، س ره