الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٣
تسمى في عرف الحكمة بالملكة و في لسان الشريعة [١] بالملك و الشيطان في جانبي الخير و الشر و المسمى أمر واحد في الحقيقة لأن المحقق عندنا أن الملكات النفسانية تصير صورا جوهرية و ذواتا قائمة فعالة في النفس تنعيما و تعذيبا و لو لم يكن لتلك الملكات من الثبات و التجوهر ما يبقى أبد الآباد لم يكن لخلود أهل الجنة في الثواب- و أهل النار في العقاب أبدا وجه فإن منشأ الثواب و العذاب لو كان نفس العمل أو القول و هما أمران زائلان يلزم بقاء المعلول مع زوال العلة المقتضية و ذلك غير صحيح و الفعل الجسماني الواقع في زمان متناه كيف يصير منشأ للجزاء الواقع في أزمنة غير متناهية و مثل هذه المجازاة غير لائق بالحكيم سيما في جانب العذاب كما قال وَ ما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ و قال بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ و لكن إنما يخلد أهل الجنة في الجنة و أهل النار في النار بالثبات في النيات و الرسوخ في الملكات و مع ذلك فإن من فعل مثقال ذرة من الخير أو الشر في الدنيا يرى أثر ذلك مكتوبا في صحيفة نفسه أو صحيفة [٢] أرفع من نفسه كما قال تعالى فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ و إذا قامت القيامة و حان وقت أن يقع بصره إلى وجه ذاته لفراغه عن شواغل هذه الحياة الدنيا و ما يورده الحواس و يلتفت إلى صفحة باطنه و لوح ضميره و هو المراد بقوله تعالى- وَ إِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ فمن كان في غفلة عن أحوال نفسه و حساب سيئاته و حسناته يقول عند كشف غطائه و حضور ذاته و مطالعة صفحة كتابه ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [٣] يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً
[١] و في وحدة مادتها إشارة إلى وحدة المسمى و قد يطلق في جانب
الشر أيضا الملك كما قال تعالى عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما
أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ و ذلك باعتبار وجه الله في الملكات و مظهرية القدرة القهرية، س ره
[٢] و هي كالنفوس المنطبعة و النفوس و العقول الكلية ففي
المنطبعة بنحو الجزئية- و في الكلية بنحو الكلية و الأولى بأيدي الثانية، س ره
[٣] من ثلاثة أوجه ذكرنا من ملكات الأعمال و صورها المجسمة و
صورها الإدراكية، س ره