الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٦٦
تشوقها إلى التشبه بالعقل و الاتصال به فأفاضت من نورها و فضائلها على ما تحتها لكن على سبيل التجدد الزماني إذ ليست تامة الوجود و إلا لكانت عقلا لا نفسا و هي نفس هذا خلف فملأت هذا العالم من نورها و بهائها و حسنها من صورة الأنواع و طبائع الجسمانيات- كالأفلاك و الكواكب و الحيوانات و النبات و المعادن و الأسطقسات فتلك الصور أيضا في غرائزها و جبلاتها الجود على ما تحتها و الفعل فيما دونها بالناموس الإلهي و الاقتداء بالسنة الواجبة لكن الطبيعة المادية لما كانت آخر الجواهر الصورية و أدناها لم تقو على شيء غير الهيولى التي ليس شأنها غير إمكان الأشياء و استعدادها و غير الحركة التي هي خروج الشيء الممكن من القوة إلى الفعل فالهيولى و الحركة شأنهما الحدوث و الدثور و الأخذ و الترك و التجدد و الانقضاء و الشروع و الانتهاء فلا جرم سيخرب هذا العالم و يزول جميع ما في الأرض و تئول إلى العدم و الفناء كما قال سبحانه كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ فتكر الطبيعة راجعة إلى النفس و النفس راجعة إلى العقل و العقل راجع إلى الواحد القهار كما قال تعالى سائلا و مجيبا لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ و قوله وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ فإذا رجعت هذه [١] الأشياء إلى مقارها الأصلية- بعد خروجها عن عالم الحركات و الاستحالات و الشرور و الآلام بالموت و الفساد للأجسام- و الفزع و الصعق للنفوس تعطف عليها الرحمة الإلهية تارة أخرى بالحياة التي لا موت فيها- و البقاء الذي لا انقطاع لها و لهذا قال تعالى ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ و قال وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها و تلك الأرض الأخروية هي صورة نفسانية [٢] ذات
[١] لما كان حكم الكل حكم كل واحد بمقتضى ما خلقكم و لا بعثكم إلا كنفس واحدة نفخت في هذه الصور الطبيعية بعد استكمالها نفخة الموت و الفساد لها و نفخة الفزع و الصعق لنفوسها المستكملة و هي نفخة الإطفاء نورها فصارت خالية عن الحياة الطبيعية ثم نفخ فيه أخرى لإيقاد نارها و نورها الأكمل أي تعلقت و اكتست النفوس- التي هي نفخة الربانية بالصور المثالية فأميتت تلك و أحييت هذه كما قال تعالى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ و سيأتي التفصيل و أن النفخة نفختان، س ره
[٢] أي مثالية صارت ذات شروق بنور ربها و هو النور الأسفهبد كأحطاب و فتل عديدة مشتعلة بنيران عظيمة و ما قال قدس سره يمكن أن يراد هذه الأرض فهو أعم من هذه الأرض البسيطة و المركبة كالأبدان و إنما قال بعد قبضها لأن الآية في القيامة و بعد آية نفخة الصعق و قبل قوله تعالى وَ وُضِعَ الْكِتابُ وَ جِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَ الشُّهَداءِ وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِ و يمكن أن يراد أرض القابلية المطلقة و نور الوجود المطلق و التوحيد الحق، س ره