الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٥٨
وَ كَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَ هُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ و رضوا بالحياة الدنيا و اطمأنوا بها و أخلدوا إلى الأرض كما قال وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَ اتَّبَعَ هَواهُ و نحن رأينا كثيرا من المنتسبين إلى العلم و الشريعة انقبضوا عن إثبات عالم التجرد و اشمأزت قلوبهم عن ذكر العقل و النفس و الروح و مدح ذلك العالم و مذمة الأجساد و شهواتها المحسوسة و دثورها و انقطاعها و أكثرهم توهموا الآخرة كالدنيا و نعيمها كنعيم الدنيا إلا أنها أوفر و أدوم و أبقى و لأجل ذلك رغبوا إليها و فعلوا الطاعات لأجلها طالبين قضاء لوطر شهوة البطن و الفرج و لأجل ما ذكرناه تكرر في القرآن العظيم ذكر الآيات الدالة على النشأة الآخرة و البعث و القيام ليتنبه الإنسان من نوم الجهالة و رقدة الغفلة فيتوجه نحو الآخرة و يتبرأ من البدن و قيوده من الدنيا و تعلقاتها متطهرا عن الأدناس و الأرجاس متشوقا إلى لقاء الله و مجاورة المقربين و الاتصال بالقديسين.
و اعلم أن المراد من الآيات المنقولة ليس ما فسره صاحب الكبير من إثبات القدرة الجزافية الأشعرية التي مبناها على إبطال الحكمة و نفي العلة و المعلول- و أعجب الأمور أن هؤلاء القوم متى حاولوا إثبات أصل من أصول الدين كإثبات قدرة الصانع أو إثبات النبوة و المعاد اضطروا [١] إلى إبطال خاصية الطبائع التي أودعها الله فيها- و نفي الرابطة العقلية بين الأشياء و الترتيب الذاتي الوجودي و النظام اللائق الضروري بين الموجودات التي جرت سنة الله عليها و لا تبديل لها و هذه عادتهم في إثبات أكثر الأصول الاعتقادية كما فعله هذا الرجل الذي هو إمام أهل البحث و الكلام.
فإن قلت فما معنى هذه الآيات سيما المشتملة على ذكر النطفة و ابتداء الخلقة فهل المراد منها إلا أن الله تعالى كما أنه قادر على الابتداء و الإنشاء قادر على الإعادة و التكوين مرة أخرى.
قلت الغرض الأصلي من الآيات المعادية يحوم حوم بيان منهجين شريفين في بيان المعاد و حشر النفوس و الأجساد.
[١] و لولاه فكل مركب ينحل لتصادم بسائطه و ميولها إلى أحيازها الطبيعية- و قد صرح سابقا به بقوله فلا بد له من قادر يبطل الخاصية، س ره