الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٣٢٨
و عالم آخر موجوداته أمور صورية بلا مادة و انفعال و حركة و الدنيا و كل ما فيها أمور كائنة فاسدة متجددة داثرة زائلة ذات أوضاع و جهات مكانية فكل خبر يذكر فيه أن الجنة أو النار في مكان من أمكنة الدنيا و موضع من مواضع هذا العالم فإما أن يكون المراد باطن ذلك المكان كقولهم إن الجنة في السماء السابعة و إن النار تحت السماء ليس المراد به أن الجنة داخلة في جسمية السماء دخولا وضعيا بل دخولا معنويا كدخول النفس في البدن و كذا حكم النار و قد علمت أن منزلة الجنة و النار من هذا العالم منزلة الجنين من الرحم فما لم تبطل الدنيا لم ينكشف الأخرى و ما لم ينهدم بناء الظاهر لم يعمر بناء الباطن و إما أن يكون المراد منها حكم المظاهر الرقائق و النشئات النسبية للجنة و النار أ لا ترى أن المرآة مظهر للصور الحسية- و ليست الصورة موجودة فيها فكذلك بعض مواضع الدنيا مظهر للجنة و النار فكما أن ما بين قبر الرسول ص و منبره روضة من رياض الجنة أي مظهر يظهر بها لمن كان من أهل الكشف و الشهود روضة من أهل الجنة كمرآة تشاهد النفس بها صورة من الصور المحسوسة- التي قابلتها فكذلك بعض المواضع المذكورة بمنزلة المرائي المنكشفة بها أحوال الجنة أو النار كجدار مسجد الرسول ص الذي تمثل له الجنة و النار و كماء الفرات و عين في جبل أروند و كوادي برهوت و غير ذلك من مواضع الأرض و كذلك البحر الواقع في حديث لا يركبن رجل بحرا فالمراد بكون الجنة أو النار في هذه المواضع أنها صارت مجالي و مظاهر ينكشف بها مثال أحدهما و أما ما يروى من قول أمير المؤمنين ع مع اليهودي و تصديقه ع إياه في أن موضع النار في البحر فليس المراد من البحر هذا البحر المحسوس بل شيء آخر معنوي غير محسوس بهذه الحواس المشار إليه في قوله تعالى وَ الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ و كذا المنقول عن ابن عباس و كعب الأحبار من أن النار سبعة أبحر أو تحت سبعة أبحر ليس المراد منه بحار الدنيا و إنما المراد منها طبقات عالم الطبيعة بحسب الجوهر و الحقيقة فإن الطبيعة في الحقيقة نار غير محسوسة محرقة للأجسام مذيبة للأبدان محللة مبدلة للجلود