الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٤
مثله لا عينه فإدراكه ليس بالمعنى الجزئي ثم قد نرى هذه الحيوانات مع اشتراكها في الحيوانية مختلفة في قربها إلى العالم الإنساني و بعدها حتى أن بعضها في غاية القرب من أفق الإنسان كالقرد المحاكي له في الأفعال و الطوطي المحاكي له في الأقوال- ففي بعضها ضرب من القوة العملية القريبة من العقل العملي و في بعضها ضرب من القوة العملية القريبة من العقل النظري ثم إن عجائب أحوال بعض الحيوانات و ملكاتها- كتكبر الأسد و حقد الجمل و هندسة النحل [١] و سماع الإبل المنسي له مشتهياته يشهد بأن لها نفوسا غير منطبعة ينبغي أن يرتقي إلى الإنسانية و بالجملة نراها بحسب غرائزها متوجهة نحو كمال مترقية إلى غاية فإن كان ارتفاعا إلى غاية فإلى الإنسانية ثم إلى الملكية و إن لم يكن لها في توجهها الغريزي غاية فغير لائق بالجود الإلهي منع المستحق عن كماله.
فالجواب أن لكل نوع من الحيوانات بل النباتات ملكا هاديا له إلى خصائص أفعاله و كماله متصلا به ضربا من الاتصال و هو الذي سماه الفرس رب الصنم و نحن قد أوضحنا سبيل إثبات الصور المفارقة للطبائع المادية و أن لكل نوع من أنواع الأجسام الطبيعية جوهرا مقوما لوجوده أصلا لأفراد ماهيته ذا عناية بها و اختلافها في الشرف و الخسة لأجل اختلاف مبادئها المفارقة النورية في شدة نوريتها و ضعفها و قربها و بعدها- من نور الأنوار و أما على طريقة المشائيين فغرائب إدراكات بعض الحيوانات و تفنن حركاتها أنما تكون بمعاونة قوى طبيعية فلكية و إلهامات سماوية و يجوز أن تصدر عن قوة جرمية بمناسبات مزاجية حركات إدراكية كحال الإبل في تلذذه بالسمعيات.
[١] و هندسة العنكبوت و لعل أكثر الناس قد شاهدوا بعض المناكب و هو كبعوضة تنسج دوائر بعضها محيطة ببعض بخطوط متوازية كصور الأفلاك المرقومة في كتب الهيئة- و يفرز خطوطا مستقيمة من الدائرة الصغيرة المحاطة إلى الدائرة العظيمة من جميع الجوانب كساقات متساوية لمثلثات بحيث يبقى العقل متعجبا، س ره