الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٥
و مما يشير إلى أن صورة كل إنسان في الآخرة نتيجة عمله و غاية فعله في الدنيا- قوله تعالى في حق ابن نوح ع إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ على قراءة فتح الميم و في القرآن آيات كثيرة دالة على أن كل ما يلاقيه الإنسان في الآخرة و يصل إليه من الجنة و ما فيها من الحور و القصور و الفواكه و غيرها و النار و ما فيها من العقارب و الحيات و غيرها- ليست [١] إلا غاية أفعاله و صورة أعماله و آثار ملكاته و إنما الجزاء هناك بنفس العمل باعتبار ما ينتهي إليه كقوله تعالى وَ لا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ و قوله تعالى إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ* لم يقل مما كنتم تعملون تنبيها على هذا المعنى- و قوله جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ.
و توضيح ذلك أن مواد الأشخاص الأخروية و متعلقاتها و ما يكون بمنزلة البذور للأشجار و النطف للحيوانات و الهيولى للعقليات إنما هي التصورات الباطنية و التخيلات النفسانية و التأملات العقلية لأن الدار الآخرة و كل ما فيها ليست من جنس هذه الدار و ما فيها فما في الدنيا له مادة جسمانية تطرأ عليها صورة أو نفس من خارج بإعانة أسباب خارجية و أوضاع و حركات فلكية و لأجسامها الحيوانية حياة عرضية و ما في الآخرة من الجنات و الأشجار و الأنهار و غيرها أرواح هي بعينها صورة معلقة قائمة بذاتها حياتها نفس ذاتها و كل نفس إنسانية مع ما يتعلق بها من الحور و القصور و الأشجار و الأنهار- جميعها موجودة بوجود واحد و حية بحياة واحدة و المجموع مع وحدته الشخصية متكثر الصور و الإنسان إذا انقطع عن الدنيا و تجرد عن لباس هذا الأدنى و كشف عن بصره هذا الغطاء كانت قوته الإدراكية [٢] قدرة و علمه غيبا و غيبه شهادة فيصير مبصرا
[١] إن قيل فيكون فاعل الثواب و العقاب نفس الإنسان فكيف يكون
الحق تعالى مثيبا و معذبا و معاقبا كما في الكتاب و السنة و اتفاق الكل عليه. قلنا جاعل الوجود مطلقا و جاعل النور و الظلمات هو الله تعالى كما
قالوا لا مؤثر في الوجود إلا الله إلا أن العقول و النفوس و القوى جهات لفاعليته و
مخصصات لفعله فالوجود سواء كان في مظاهر اللطف أو في مظاهر القهر فيضه و سيبه بلا
واسطة أو بواسطة واحدة أو متعددة الحمد لله الذي برهانه أن ليس شأن ليس فيه شأنه و
بوجه آخر وجود آثار النفس بما هو وجود من الله و بما هو مضاف إلى ماهيات الآثار من
النفس، س ره
[٢] كما في النوم الذي هو أخ الموت فالسماء التي تظلك و الأرض
التي تحملك و الإنسان الذي يخاطبك و ما يبهجك و ما يؤذيك و بالجملة جميع ما أنت به
مشتغل علمك- و كذا العلم الفعلي عين القدرة، س ره