الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٣٥٢
و قوله تعالى في حقه لا يَمُوتُ فِيها وَ لا يَحْيى* أي لا يموت موت البهائم و نحوها و لا يحيى حياة العقلاء السعداء.
و مما استدل به صاحب الفتوحات المكية على انقطاع العذاب للمخلدين في النار قوله تعالى أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ*
و ما ورد في الحديث النبوي من قوله ص: و لم يبق في النار إلا الذين هم أهلها
و ذلك لأن أشد العذاب على أحد مفارقة الموطن الذي ألفه فلو فارق النار أهلها لتعذبوا باغترابهم عما أهلوا له و إن الله قد خلقهم على نشأة تألف ذلك الموطن أقول هذا استدلال ضعيف مبني على لفظ الأهل و الأصحاب و يجوز استعمالهما في معنى آخر من المعاني النسبية كالمقارنة [١] و المجاورة و الاستحقاق و غير ذلك و لا نسلم أيضا أن مفارقة الموطن أشد العذاب إلا أن يراد به الموطن الطبيعي و إثبات ذلك مشكل و الأولى في الاستدلال على هذا المطلب أن يستدل بقوله تعالى وَ لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ [٢] الآية فإن المخلوق الذي غاية وجوده أن يدخل في جهنم بحسب الوضع الإلهي و القضاء الرباني لا بد أن يكون ذلك الدخول موافقا لطبعه و كمالا لوجوده إذ الغايات كما مر كمالات للوجودات و كمال الشيء الموافق له لا يكون عذابا في حقه- و إنما يكون عذابا في حق غيره ممن خلق للدرجات العالية.
و قال في الفتوحات فعمرت الداران أي دار النعيم و دار الجحيم و سبقت الرحمة الغضب و وسعت كل شيء حتى جهنم و من فيها و الله أرحم الراحمين و قد وجدنا في نفوسنا ممن جبل على الرحمة بحيث لو مكنه الله في خلقه لا زال صفة العذاب عن العالم- و الله قد أعطاه هذه الصفة و معطي الكمال أحق به و صاحب هذه الصفة أنا و أمثالي و نحن
[١] الإنصاف أنه بمجرد المقارنة و المجاورة لا يصح إطلاق لفظ
الأهل و الأصحاب- ما لم يحصل أنس و ألفة فلا يطلق أهل البيت على من يجاوره و أهل
الدنيا على من يقارنها- و لا يقال أهل الله إلا على المحبين العاشقين الآنسين به و
أصحاب النبي ص إلا على محبيه و ناصريه و آلفيه، س ره
[٢] و ما يقال إن هذه اللام لام العاقبة لا لام الغاية فهو
خلاف الصواب إذ الأصل في الاستعمال هو الحقيقة، س ره