الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٦٢
الأركان و الأمشاج فليجز صدوره منه تارة أخرى على سبيل الإنشاء مجردا عن الهيولى.
على أنك قد علمت أن الإيجاد مطلقا منه تعالى و أن الوسائط هي مخصصات و مرجحات لإيجاده أو جهات مكثرات لفعله و إفاضة وجوده و لكن ما هو أبسط في الوجود و أرفع من الكثرة فهو أقرب إلى الموجد الحقيقي و قد أشرنا إلى أن وجود الأمور الأخروية أصفى من التركيب و أعلى من الامتزاج و أقرب إلى الوحدة الخالصة- من هذه الأمور الدنيوية فكما أن فعله الخاص في الابتداء هو إنشاء النشأة [١] الأولى لا تركيب المختلفات و جمع المتفرقات فكذلك حقيقة المعاد و الفعل اللائق به إنشاء النشأة الثانية و هو أهون عليه من إيجاد المكونات في الدنيا التي تحصل بالحركات من الأجساد و الاستحالات في المواد لأن الآخرة خير و أبقى و أدوم و أعلى و ما هو كذلك فهو أولى و أنسب في الصدور عن المبدأ الأعلى و أهون عليه تعالى كما قال وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَ لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ.
و اعلم أن الآخرية و الثانوية أنما هي بالقياس إلى حدوثنا و إلا فتلك النشأة هي في نفسها أقدم و أسبق لأنها ما قبل الطبيعة في ترتيب الوجود ذاتا و شرفا [٢] و ما بعد الطبيعة نظرا إلى حدوثنا [٣] و استكمالاتنا فهذا أيضا يدل على أن الدار الآخرة موجودة بالفعل و أن الجنة و النار مخلوقتان [٤] الآن كما دلت عليه الآيات و الأحاديث الكثيرة.
و مما يدل أيضا على أن إيجاد الأكوان الأخروية أشبه لسنة الله التي هي الإبداع من إيجاد المكونات الدنيوية أن إيجاد هذه المواليد و تبليغها إلى كمالها حاصل
[١] فإن مجموع العالم الطبيعي مبدع فإن مجموع المادة و المادي و الزمان و الزماني- و المكان و المكاني مثلا لا مادة و زمان و مكان له كما يأتي بل كل نوع من الأنواع المتوالدة إبداعي، س ره
[٢] و دهرا فإن عالم المثال له التقدم دهرا على عالم المادة و عالم العقول تقدمه الذاتي و الدهري أوضح و أبين و هذا للمقربين كالغاية الأعلى منه، س ره
[٣] أي وجودها الرابطي متأخر، س ره
[٤] خلافا لبعض المليين القائلين بأنهما ليستا مخلوقتين إلا في القيامة الكبرى، س ره