الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٣٥١
نسبوا إليه الألوهية فصح بقاء التوحيد لله الذي أقروا به في الميثاق و أن الفطرة مستصحبة.
أقول و هذه عبادة ذاتية و قد سبق منا القول بأن جميع الحركات الطبيعية- و الانتقالات في ذوات الطبائع و النفوس إلى الله و بالله و في سبيل الله و الإنسان بحسب فطرته داخل في السالكين إليه و أما بحسب اختياره و هواه فإن كان من أهل السعادة فيزيد على قربه قربا و على سلوكه الجبلي سعيا و إمعانا و هرولة و إن كان من الكفار الناقصين المختوم على قلوبهم الصم البكم الذين لا يعقلون فهو كالدواب و البهائم لا يفقه شيئا إلا الأغراض الحيوانية و إنما الغرض في وجوده حراسة الدنيا و عمارة الأبدان و ما له في الآخرة من خلاق فله المشي في مراتع الدواب و السباع فيحشر كحشرها و يعذب كعذابها و يحاسب كحسابها و ينعم كنعيمها و إن كان من أهل النفاق المردودين عن الفطرة الخاصة المطرودين عن سماء الرحمة فيكون عذابه أليما لانحرافه عما فطر عليه و هويه إلى الهاوية بما كسبت يداه فبقدر خروجه عن الفطرة و نزوله في مهاوي الجحيم يكون عذابه الأليم إلا أن الرحمة واسعة و الآلام دالة على وجود جوهر أصلي يضاد الهيئات الحيوانية الردية و التقاوم بين المتضادين ليس بدائم و لا بأكثري كما حقق في مقامه فلا محالة يئول إما إلى بطلان أحدهما أو إلى الخلاص و لكن الجوهر النفساني من الإنسان لا يقبل الفساد فإما أن يزول الهيئات الردية بزوال أسبابها فيعود إلى الفطرة و يدخل الجنة إن لم تكن الهيئات من باب الاعتقادات كالشرك و إلا فتنقلب إلى فطرة أخرى و يخلص من الألم و العذاب و هذا هو المراد من مذهب الحكماء أن عذاب الجهل المركب أبدي يعني صاحب الاعتقاد الفاسد الراسخ في جهله و عتوه [١] لا يمكن عوده إلى الفطرة الأصلية فيصير من الهالكين المائتين- عن هذه النشأة و عن الحياة العقلية و لا ينافي ذلك كونه حيا بحياة أخرى نازلة دنية
[١] فإن هذا الاعتقاد المخالف للواقع صار صورة جوهرية للنفس
الناطقة و عقلها النظري التي هي من عالم العصمة بحسب أصل جوهرها فانقلبت حقيقتها و
مسخت ذاتها- و لا يمكن عودها إلى الحياة العقلية فهي ظلمة و كدورة و موت للحياة
العقلية و أما الحياة الحيوانية و المرتبة النازلة منها فهي ثابتة له بخلاف الجهل
المركب الغير الراسخ و للغير العاتي و بخلاف الجهل البسيط و الهيئات الرذيلة
الأخرى فإنها ممكنة الزوال عن وجه حسناء النور الأسفهبد فليست موجبة للقلب و المسخ
بنحو التجوهر و التذوت، س ره