الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٨٥
و الانحراف عنه يوجب السقوط عن [١] الفطرة و الهوى إلى دار الجحيم و الهبوط في جهنم التي قيل لها هل امتلأت و تقول هل من مزيد و وصفه بأنه أدق من الشعر و أحد من السيف لأن كمال الإنسان منوط باستعمال قوتيه أما القوة النظرية فلإصابة الحق و نور اليقين في سلوك الأنظار الدقيقة التي هي في الدقة و اللطافة أدق من الشعر إذا تمثلت بكثير و أما القوة العملية فبتعديل القوى الثلاث التي هي الشهوية و الغضبية و الفكرية في أعمالها لتحصل للنفس حالة اعتدالية متوسطة بين الأطراف غاية التوسط- لأن الأطراف كلها مذمومة يوجب السقوط في الجحيم و منزل البعداء و الأشقياء المردودين و قد علمت أن التوسط الحقيقي بين الأطراف المتضادة بمنزلة الخلو عنها- و الخلو عن هذه الأطراف المسمى بالعدالة منشأ الخلاص عن الجحيم و هي أحد من السيف- فإذن الصراط [٢] له وجهان أحدهما أدق من الشعر و الآخر أحد من السيف و الانحراف عن الوجه الأول يوجب السقوط عن الفطرة إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ و الوقوف على الوجه الثاني يوجب الشق و القطع كما قيل وقف عليه شقه- و إليه الإشارة بقوله تعالى اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ و بقوله يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ و وجه ذلك أن هذه العدالة ليست كمالا حقيقيا لأن ذلك منحصر في [٣] نور العلم و قوة الإيمان و المعرفة بل هي أمر عدمي و صفة نفسانية عدمية اعتدالية من جنس أطرافها و الركون إليها و الاعتماد عليها يوجب الإخلاد إلى الدنيا- لأنها من الدنيا أيضا و حب الدنيا رأس كل خطيئة.
[١] أي الفطرة الأصلية لأصل النوع و إن كان بدون الهوى إلى دار الجحيم- بل مجرد القطع و عدم الوصول إلى غاية المقربين من أهل الله و إنما قلنا ذلك ليندرج أصحاب اليمين فإن الله تعالى ثلث عباده بقوله فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ الآيات، س ره
[٢] أي كطريق فيه جادتان إحداهما إصلاح العقل النظري و الأخرى إصلاح العقل العملي فالأدقية للأول و الأحدية للثاني، س ره
[٣] يرشدك إلى هذه جعلهم الشهود آخر أعمال العقل العملي إذ المراتب هنا أربعة التجلية و التخلية و التحلية و الفناء و يعبرون عن الفناء بأن يرى كل علم مستهلكا في علمه و كل قدرة مستهلكة في قدرته و هكذا في الباقي الصفات العليا بل كل وجود مستهلكا تحت وجوده فآخر العمل أيضا الشهود الذي هو كمال المعرفة، س ره