الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٦١
لا من أصل محال فينكرون حدوث عالم آخر و إشكال و صور فيها و لم يعلموا أن وجود الأكوان الأخروية أنما هو من باب الإنشاء بمجرد الجهات الفاعلية لا من باب التخليق من أصل مادي و جهات قابلية فالله تعالى بينه على أن شأنه الأصلي في الفاعلية هو الإبداع و الإنشاء لا التكوين و التخليق من مادة و كذلك خلق السماوات و الأرض و أصول الأكوان فإن وجودها لم يخلق من مادة أخرى بل أوجدها على سنة الاختراع و الإنشاء و هكذا يكون إنشاء الجنة و النار و الأجسام الموعودة في الآخرة فيندفع إشكال المنكرين للدار الآخرة أنها في أي [١] مادة توجد و في أي قطر و جهة و أين مكانها و متى زمانها و وقت قيامها يطلبون للآخرة مكانا خاصا- و يسألون عن الساعة أيان مرساها أي في أي مكان من أمكنة هذه الأجسام وَ يَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* أي في أي زمان معين من أزمنة الدنيا و لم يعلموا أن مكان الآخرة و زمانها ليس من جنس مكان الدنيا و زمانها و لا أن وجودها و إيجادها ليس كوجود الأكوان الدنيوية و إيجادها فلها نشأة أقوى حاصل من الإنشاء و لهذه خلقة حاصلة من التخليق و هذا أيضا منهج دقيق شريف و حمل الآيات القرآنية على ما هو أشرف و أحكم أولى فالغرض من هذه الآيات التي أشير فيها إلى هذا المنهج أن إبداع الصور و إنشاءها من غير مادة سابقة أنسب و أقرب إلى العلة الأولى و أهون [٢] عليها من تركيب المواد و جمع أجزائها و متفرقاتها لأن أمرها كلمح البصر أو هو أقرب- كما قال وَ ما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ و قوله وَ ما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ فإذا كان الأليق و الأحرى بمبدع البدائع و مكون الصنائع إنشاء الصور و إبداعها من غير مادة من تخليقها من مزاج و امتزاج و تركيبها من أجزاء مختلفة حاصل بازدواج- ففعله الخاص الذي هو الإبداع و الإنشاء أشرف و أرفع من جمع متفرقات و تركيب مختلفات فإن هذا شأن القوى و الطبائع التي هي في الدرجة الأدنى من القصور في الفاعلية و التأثير فإذا صدر منه تعالى وجود الإنسان على نهج الامتزاج و التركيب من
[١] و سيأتي هذه الإشكالات كل برأسه مع جوابه إن شاء الله تعالى، س ره
[٢] أي أليق بذاتها، س ره