الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٣١
الحيوان و هلم إلى درجة العقل المستفاد فانتهى إلى ما ابتدأ منه و عاد فمن فاز بهذه المعارف فقد فاز فوزا عظيما و ينال من السعادة قدرا جسيما و خلص من الشقاوة التي منشؤها إما الإعراض عن تحصيلها مع المكنة و الاستعداد و الانحراف عن طريق الحكمة مع ملكة الشوق إلى كسب العلوم أو إنكار هذه المعلومات بالجحود و الاستكبار و العناد.
و لكن كلما يزيد على هذا المبلغ كما أو يشتد كيفا كانت سعادته أكمل و أتم فإني [١] اعلم من المشتغلين بهذه الصناعة من كان رسوخه بحيث يعلم من أحوال الوجود أمورا يقصر الأفهام الذكية عن دركها و لم يوجد مثلها في زبر المتقدمين و المتأخرين من الحكماء و العلماء لله الحمد و له الشكر.
ثم إنك قد علمت أن الشرف و السعادة بالحقيقة إنما يحصل للنفس من جهة جزئها النظري الذي هو أصل ذاتها و أما ما يحصل لها بحسب جزئها العملي الذي هو من جهة تعلقها بالبدن و إضافتها و نفسيتها فليس لها بحسبه من الاغتباط إلا السلامة عن المحنة و البلاء و الطهارة عن الشين و الرجس و الصفا عن الكدورة و الرذيلة- و الخلاص عن العقوبة و الجحيم و العذاب الأليم و ذلك بمجرده لا يوجب الشرف الحقيقي و الابتهاج العقلي إلا أن لأهل السلامة كالزهاد و الصلحاء ضربا آخر من السعادة التي تناسبها كما سنعود إلى شرحه
فصل (٣) في الشقاوة التي بإزاء السعادة الحقيقية
اعلم أن هذه الشقاوة لا تكون للنفوس الحيوانية و لا للنفوس الساذجة و لا للنفوس العامية التي لم تحصل فيها بعد ملكة التشوق إلى كسب العلوم العقلية و الكلامية- و لا محبة الترفع و الرئاسة كأكثر أرباب الحرف الدنيوية و العوام و النساء و الصبيان- فإن لهم إذا شقوا نوع آخر من الشقاوة كما أن لهم إذا سعدوا نوع آخر من السعادة- إذ
الأشقياء فريقان.
[١] أراد نفسه الشريفة و الحق معه و تحقيقاته الأنيقة أعدل شاهد على ما أفاده شكر الله مساعيه، س ره