الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٣٧٩
في الدنيا هذه القدرة لتوزع قواها و عدم جمعية همتها لاشتغالها بالخارجيات و شواغل الحسيات فالإنسان السعيد كلما يشتهيه في الآخرة حضر عنده دفعة و يكون شهوته سبب تخيله و تخيله سبب تمثل الصورة بين يديه و حضورها لديه كما قال تعالى فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَ تَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَ أَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ و هذه القدرة أوسع و أكمل من القدرة على إيجاد الشيء في الدنيا أي في خارج الحس فإن الموجود في الدنيا لا يوجد في مكانين و لا في مكان واحد يوجد اثنان للتزاحم و التضائق الواقعين في هذا العالم.
و أيضا النفس إذا اشتغلت بفعل الدنيا احتجبت و امتنعت عن فعل آخر فشغلها محسوس عن محسوس آخر و حجبتها لذة عن لذة أخرى و الملذ أيضا لا يقوى في إلذاذه هاهنا لانغماره في المادة و امتزاجه بغيره و كذا القياس في حال الألم و المؤلم في الدنيا بالنسبة إلى حالهما في الآخرة فإذن الصور المحسوسة تتضاعف عند الإنسان بلا مزاحمة و لا تضايق و لا يستحيل هناك وجود صور غير متناهية دفعة إذ لا يجري [١] فيه براهين امتناع الأمور الغير المتناهية مجتمعة.
و أيضا لا يشغل النفس بعض المحسوسات هناك عن بعض آخر لقوة النفس فتكون اللذة كثيرة غير محصورة و لكون الصور الملذة بلا مادة تكون اللذة بها شديدة مفرطة لخلوصها من الشوائب و المكدرات و الأضداد فإذا تقرر هذا نقول إن شجرة طوبى مثال للنفس السعيدة الكريمة
و قد روي في طريق أهل البيت ع: أن طوبى شجرة أصلها في دار علي بن أبي طالب ع و ليس مؤمن إلا و في داره غصن من أغصانها و ذلك قول الله تعالى- طُوبى لَهُمْ وَ حُسْنُ مَآبٍ
فتأويل ذلك من جهة العلم أن المعارف الإلهية سيما ما يتعلق بأحوال الآخرة و ما يستقل بإدراكه العقول على طريقة الفكر الجثي أنما تقتبس من مشكاة نبوة خاتم الأنبياء ص و نور ولايته المندمج في رسالته المنتشر أضواؤه من ولاية أفضل أوصيائه في نفوس القابلين للهدى و الإيمان المستعدين للعلم و العرفان فإن أثمار العلوم الإلهية أنوار و المعارف الحقيقية أنما نشأت و انتشرت في قلوب عرفاء هذه الأمة
[١] إذ لا ترتيب فيها ثم إنها غير متناهية عددا لا أن فيها بعدا واحدا غير متناه و قد نقلنا عن حكمة الإشراق في حواشينا على مبحث المثل ما يؤيد هذا، س ره