الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٣٧٧
بالمالك فيكون له بإزاء كل درجة من درجات أهل الحق دركة في الجحيم فله بإزاء درجة التوكل دركة الخذلان كما في قوله تعالى وَ إِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ و بإزاء درجة التسليم دركة الهوان قوله تعالى وَ مَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ و بإزاء درجة القرب و الوصلة دركة الطرد و اللعنة أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ و كما أن انتفاء القدرة و العلم و الوجود في الطائفة الأولى أوجب لهم القدرة الغير المتناهية و العلم الذاتي اللدني و الوجود المخلد الأبدي كذلك في هذه الطائفة اقتضى استبدادهم بهذه الصفات عجزا غير متناه و جهلا كليا و هلاكا سرمديا و ذلك هو الخزي العظيم
فصل (٣٣) في شجرة طوبى و شجرة زقوم
قال تعالى طُوبى لَهُمْ وَ حُسْنُ مَآبٍ و قال إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ أي شجرة منها طعام الآثمين إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ يعني الطبيعة الدنيوية طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ و الطلع عبارة عن مبدإ وجود الأشجار و منشإ حصول الأثمار و بروزها عن الأكمام و المراد منه هاهنا مبدأ الاعتقادات الباطلة و الأخلاق السيئة و هي رؤساء الصفات الشيطانية التي كل منها إذا رسخت في النفس و قويت صارت صورة جوهرية شيطانية- كما علمت من صيرورة الصفات الغالبة في النفس صورا جوهرية نفسانية من جنس تلك الصفات فتلك الصفات التي هي مبادىء تكون الشياطين هي الأهوية المغوية و الأماني المردية و الشهوات المذمومة لأنها مما يتغذى بها و يتقوى نفوس أهل الضلال و يمتلي بها بواطنهم و يكون منها نار الجحيم و العذاب الأليم كما قال سبحانه ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ أي يملئون بطونهم أي نفوسهم من الشهوات المذمومة و مواد الأمراض النفسانية الباعثة لفنون من العذاب- و أنواع من المحن و الآلام في الآخرة كمن أدى به نهمة من الحمى و الصداع و غيره من الأوجاع و الآلام.