الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٣٥٥
بعده مثل ذلك فلا بد من حكم الرحمة على الجميع و يكفي من الشارع التعريف بقوله- و أما أهل النار الذين هم من أهلها و لم يقل من أهل العذاب و لا يلزم من كان من أهل النار الذين يعمرونها أن يكونوا معذبين بها فإن أهلها و عمارها مالك و خزنتها و هم ملائكة و ما فيها من الحشرات و الحيات و غير ذلك من الحيوانات تبعث يوم القيامة و لا واحد منهم يكون النار عليهم عذابا كذلك من يبقى فيها لا يموتون فيها و لا يحيون و قد قام الدليل السمعي أن الله يقول يا عبادي [١] على وجه العموم و أضاف إلى نفسه و ما أضاف قط إلى نفسه إلا من سبقت له الرحمة فلا يؤبد لهم العذاب و إن دخلوا النار و ذلك أنه قال يا عبادي لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم اجتمعوا على أتقى قلب رجل منكم- ما زاد ذلك على ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم اجتمعوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم قاموا في صعيد [٢] واحد فسألوني فأعطيت كل واحد منكم مسألته ما نقص في ملكي شيئا الحديث و لا يشك أنه ما من أحد إلا و هو يكره ما يؤلمه طبعا فما من أحد إلا و قد سأل الله أن لا يؤلمه و أن يعطيه اللذة في الأشياء و السؤال قد يكون قولا و قد يكون حالا كبكاء الصغير الرضيع و إن لم يعقل عنده وجود الألم الحسي بالوجع أو الألم النفسي بمخالفة الغرض إذا منع من الثدي و قد أخذت المسألة حقها و الأحوال التي ترد على قلوب الرجال لا تحصى كثرة و قد أعطيناك منها في هذا الباب أنموذجا انتهى.
و اعلم أن البرهان و الكشف متطابقان على أن الفيض الوجودي [٣] و القول الرباني و الكلمة الوجودية نازل من الحق أحديا غير متفرق تفرقا خارجيا إلى الكرسي [٤]
[١] في قوله تعالى يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا
تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً و في الحديث القدسي المذكور أيضا يا
عبادي في مواضع، س ره
[٢] فيه إيماء إلى أرض المحشر إذ ورد أن الناس يحشرون في صعيد
واحد، س ره
[٣] هذا هو الوجود المنبسط الذي هو كلمة كن و قوله الحق و هو
في الأول واحد
وَ
ما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ
فكذلك
في الآخر، س ره
[٤] قد ذكرنا سابقا أن عالم الصورة الذي يناله المشاعر
الطبيعية من الكرسي إلى المركز و عالم الصور الأخروية الجهنمية ملحق إلى الصور
الدنيوية و كأنه ليس من الآخرة كما مر فبقي للآخرة الصور الجنانية و الصور المدركة
بالخيال النوري و لما كان عالم المعنى واحدا إذ المكثرات الوضعية من المادة
الجسمانية و الزمان و المكان و نحوها مفقودة هناك كانت الوحدة باقية حتى تنزل إلى
عالمي الصورة أعني الفرقة و المادة- كالإنسان المتشعب من المتدلي منه قدماه هذا في
صورة الكرسي و رقيقته و أما معناه و حقيقته فهو النفس الكلية بمعنى كل النفوس
السعيدة و الشقية و هذا لتشعب ذاك لاتحاد ما بين الروح و الجسد، س ره