الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٣٥٣
عباد مخلوقون أصحاب أهواء و أغراض و لا شك أنه أرحم بخلقه منا و قد قال عن نفسه إنه أرحم الراحمين فلا نشك أنه أرحم بخلقه منا و نحن عرفنا من نفوسنا هذه المبالغة انتهى كلامه.
و لك أن تقول و قد قام الدليل العقلي على أن الباري سبحانه لا ينفعه الطاعات و لا يضره المخالفات و أن كل شيء جار بقضائه و قدره و أن الخلق مجبورون في اختيارهم- فكيف تسرمد العذاب عليهم و جاء في الحديث و آخر من يشفع هو أرحم الراحمين فالآيات الواردة في حقهم بالتعذيب كلها حق و صدق و كلام أهل المكاشفة لا ينافيها لأن كون الشيء عذابا من وجه لا ينافي كونها رحمة من وجه آخر فسبحان من اتسعت رحمته لأوليائه في شدة نقمته في الدنيا و اشتدت نقمته لأعدائه في سعة رحمته لهم في الآخرة.
نقل فيه تأكيد:
قال في الفتوحات المكية إن الحق لما تجلى لهم في أخذ الميثاق تجلى لهم في مظهر [١] من المظاهر الإلهية فذلك الذي أجرأهم على أن يعبدوه في الصور و من قوة بقائهم على الفطرة أنهم ما عبدوها على الحقيقة و إنما عبدوا الصور لما تخيلوا فيها من رتبة التقرب و الشفاعة كما حكى الله من قولهم ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى و قولهم هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ و هاتان الجهتان إليهما مال الخلق في الدار الآخرة
[١] أي لما أخذ الميثاق حين قال أ لست بربكم و هو في مظهر من
الصور دعاهم ذلك على أن يعبدوه في هذا العالم في المظاهر الصورية من الشمس و القمر
و الإنسان و البقر و غيرها. أقول من ذا الذي يقول غيركم إنه أخذ الميثاق في المظهر بل الأعيان
الثابتة و الماهيات الإمكانية في المراتب العلمية و النشآت الربوبية لما لم يكن
لها وجود من أنفسها- و إنما ظهورها بنور وجود الله و علم الله و قالوا بلسان
الثبوت لك الحمد و لك العظمة و لك الوجود كان هذا أفصح قول و أبلغ كلام بأنه أ لست
بربكم و قولهم بلى و يمكن أن يقال لما كان لكل معنى صورة و لكل حقيقة رقيقة كان ما
قلناه حقيقة أخذ الميثاق و معناه و أما رقيقته و صورته المثالية فهي أن يكتسى هذا
بصور مليحة و كلمات بليغة فصيحة مناسبة لتلك النشأة، س ره