الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٣٥
بأعمال البدن يمنعها أن تدرك آفات النفس و آلامها الحاصلة لها المكتسبة من نتائج أعمالها و لوازم أخلاقها و ملكاتها الردية إدراكا حقا غير مشوب بما تورده الحواس عليها- و تشتغل به و تلهو و تنسى فإذا ارتفع الحجاب عن الإنسان بالموت و انكشف الغطاء وقع بصره يومئذ إلى تبعات أفعاله و لحقات أعماله فيقع لها حينئذ إن كان سيئ الأخلاق قبيح الأعمال رديء الاعتقاد الألم الشديد و الداهية العظيمة كما في قوله تعالى فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ فجحيم الآخرة و إن كانت ألطف من نعيم هذه الدنيا إلا أن عذاب الأشقياء و آلامها على الوجه اللائق إنما يتحقق فيها لا في هذه الدار لأن لطافتها توجب ذلك لكون الإدراك الذي هو ملاك العذاب و مبنى التألم فيها أصدق و أصفى و قوله تعالى وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ* يشير إلى أن باعث الألم و العذاب موجود بالفعل هاهنا للكفار و هم لا يدركونه لسكر طبيعتهم و تخدر أذواقهم و عمى بصيرتهم من إدراكه و من تأمل في الأهوال العظيمة التي قد يراها الإنسان في نومه أو يتوهمها من غير سبب خارجي و لا جهة محسوسة مع أنه لم يقصر إيلامها عن إيلام الخارجيات بل ربما زاد عليها بما لا يقاس ليعلم يقينا أن عذاب الآخرة- أَشَدُّ وَ أَبْقى من عذاب الدنيا لأنه أشد استقرارا و أوصل إلى النفس و أغرز فيها من هذه الحسيات.
و منها أن التعذيب بالجهل المركب و غيره
من الأحوال التي وعدها الشارع- إن كان يلحق الجوهر الروحاني مجردا عن علائق الأجسام فكيف يحصل من مثله هذا التصور المحدود و ليست معه قوة التخيل [١] و الجهل المركب لا بد فيه من تصورات
[١] هذا إشكال صعب على من يقول باللذات و الآلام الجسمانية بعد المفارقة عن المادة و لا يقول بتجرد القوى تجردا برزخيا أيضا فإن الصورة الجزئية المؤلمة أو الملذة لا بد فيها من قوة جزئية تدركها و شوقية تطلبها أو تبغضها و متخيلة تركب و تفصل و في الجهل المركب تغلط في التركيب و التفصيل في الموجبات و السوالب- كإسناد الجسم عياذا بالله إلى الله و السرير الجسماني إلى جسمه أو سلب القدرة و الاختيار عنه أو سلب عموم القدرة عنه و قس عليه إذ النفس تدرك الكليات بذاتها و الجزئيات بآلاتها و المفروض أن آلاتها منتفية و أما من يقول بتجرد القوى الباطنة و إن للنفس قوى هي منبع هذه القوى المتشتتة الطبيعية ففي مندوحة منه، س ره