الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٣٤٧
اتفاقهم [١] على عدم خروج الكفار منها و أنهم ماكثون فيها إلى ما لا نهاية له فإن لكل من الدارين عمارا و لكل منهما ملأها.
اعلم أن الأصول الحكمية دالة على أن القسر لا يدوم
على طبيعة و أن لكل موجود من الموجودات الطبيعية غاية ينتهي إليها وقتا و هي خيره و كماله و أن الواجب جل ذكره أوجد الأشياء على وجه تكون مجبولة على قوة ينحفظ بها خيرها الموجود و تطلب بها كمالها المفقود كما قال تعالى الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى فلأجل ذلك يكون لكل منها عشق للوجود و شوق إلى كمال الوجود و هو غايته الذاتية التي يطلبها و يتحرك إليها بالذات و هكذا الكلام في غايته و غاية غايته حتى ينتهي إلى غاية الغايات و خير الخيرات إلا أن يعوق له عن ذلك عائق و يقسر قاسر لكن العوائق ليست أكثرية و لا دائمة كما سبق ذكره و إلا لبطل النظام و تعطلت الأشياء و بطلت الخيرات و لم تقم الأرض و السماء و لم ينشأ الآخرة و الأولى ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ فعلم أن الأشياء كلها طالبة لذاتها للحق مشتاقة إلى لقائه بالذات و أن العداوة و الكراهة طارئة بالعرض فمن أحب لقاء الله بالذات أحب الله لقاءه بالذات و من كره لقاء الله بالعرض لأجل مرض طار على نفسه كره الله لقاءه بالعرض فيعذبه مدة حتى يبرأ من مرضه و يعود إلى فطرته الأولى أو يعتاد بهذه الكيفية المرضية زال ألمه و عذابه لحصول اليأس و يحصل له فطرة أخرى ثانية و هي فطرة الكفار الآئسين من رحمة الله الخاصة بعباده و أما الرحمة العامة فهي التي وسعت كل شيء كما قال تعالى عَذابِي
[١] لا اتفاق إذ منهم من قال إن الخلود جاء لغة بمعنى الزمان
الكثير و سيأتي نقلا عن بعض أهل الكشف أنهم يخرجون إلى الجنة لكن المصنف قدس سره
لم يعبأ بهذا لشذوذه- و إنما قالوا بعدم الخروج لكون الخلود في النار للكفار
بعلاوة أنه مدلول الكتاب ضروري الدين و أما العذاب الدائم فليس من ضروريات الدين
فلا يجوز تكفير منكريه و عندي دوام العذاب حق و انقطاعه عن الكفار باطل و ما يقول
المصنف قدس سره أن القسر لا يدوم و أن الطوارىء و العوارض تزول فجوابه أنه ليس قسرا
و لا عروضا بل تصير الكيفية الظلمانية جوهرية و العرضية السيئة ذاتية مثل مركب
القوى فإن الفطرة الإنسانية ذاتية لا تزول- و الفطرة الثانية أيضا ذاتيه إذ صارت
ملكة جوهرية إذ العادة طبيعة ثانوية فافهم، س ره