الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٣٤٣
لأنها ليست دارا روحانية خالصة بل هي مكدرة مشوبة بهذا العالم فكأنها هي [١] هذا العالم انساق إلى الآخرة بسائق القهرمان و زمام التسخير فالجهنمي يريد ما لا يجده- و يشتهي ما يضره و يفعل ما يكرهه و يختار ما يعذبه و يهرب عما يصحبه قائلا كما حكى الله عنه يا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ و جميع مشتهياته و مرغوباته عقاربه و حياته و بالجملة حقيقة جهنم و ما فيها هي حقيقة الدنيا و مشتهياتها تصورت للنفوس الشقية بصورة مؤلمه معذبة لها محرقة لأبدانها مذيبة للحومها و شحومها مبدلة لجلودها مشوهة لخلقتها مسودة لوجوهها ثم لما كانت [٢] الدار الآخرة دار لا فاعل و لا مؤثر هناك إلا الحق سبحانه إذ الأسباب المتقابلة و العلل المتضادة مرتفعة و كذا الموانع و القواسر و الحجب منتفية في ذلك العالم فلا مؤثر و لا مالك إلا هو الملك يومئذ لله فمن وافق رضاه القضاء الرباني و انخرطت إرادته في إرادة الله و استهلكت خيرته في خيرة الله كما في قوله تعالى وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ كان فعله بعينه فعل الحق و كل من كان كذلك كان في نعيم دائم و بهجة فائقه و لذة غاشية فالمؤمن لا محالة في روضات الجنات أبدا و قد مر سابقا أن مشية العبد في الجنة- عين مشية الحق تعالى و وجه ذلك أن جميع الأشياء صادرة عن الواجب تعالى على الوجه الأتم و النظام الأحسن و الخير الأعلى فمن استقام قلبه و سلمت فطرته عن الأمراض- و خلصت ذائقته عن مرارة المعاصي و ما تغيرت عن الاعتدال و لم تزل قدمه عن صراط الحق- رضي بالقضاء [٣] و حصل له مقام الرضاء و العبودية فلم يشأ إلا ما شاء الله و لم يشأ الله
[١] و ذلك لأن صور هذا العالم كانت مقصودة بالذات للجهنمي و
الصور المثالية التي في خياله و الكلية التي في عقله لو أمكنه إدراك الكلي كلها
كانت في الدنيا مرائي لحاظ الموجودات الطبيعية و الجزئيات الحادثة الداثرة فآخرته
دنياه بهذا المعنى- لا أنها الصور الدنياوية حقيقة لأنها ليست مادية و لذا أتى
بلفظ كان، س ره
[٢] و كلما كان من الصور هناك فمعناها هنا موجودة إنما هي
أعمالكم ترد إليكم فإذا كانت جميع ما هناك بإرادة الله و مراده فارض هنا بجميع
مراداته و أوامره و امح هواك حتى تكون جميع ما هناك مرضية لك، س ره
[٣] و يقال العابدون يجهدون أن يرضى الله عنهم و العارفون
يجهدون أن يرضوا عن الله و أن يرضوا بجميع ما قضى و قدر و يقال الرضا باب الله
الأعظم، س ره