الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٣٠٦
و قد قال تعالى وَ ما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [١] و قال تعالى
: سبقت رحمتي غضبي
و قال تعالى وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ و أما الصنف الآخر و هم أهل العقاب في الجملة- فهم أيضا ثلاثة أقوام منهم قوم صحيفة أعمالهم خالية من العمل الصالح و لا محالة يكونون كفارا محضة فيدخلون جهنم بلا حساب و منهم قوم صدر منهم بعض الحسنات لكن وقع في حقهم قوله تعالى وَ حَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَ باطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ و قوله تعالى- وَ قَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً و منهم قوم هم في الحقيقة من أهل الحساب حيث خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا فهؤلاء قسمان أحدهما من نوقش في حسابه بكل دقيق و جليل لأنه بهذه المثابة كان في الدنيا عاشر مع الخلائق و كان يستوفي حقه في المعاملات معهم من غير مسامحة فيعامل معه في الآخرة مثل ما عامل مع الخلق في الدنيا و القسم الثاني و هم الذين كانوا يخافون سوء الحساب و يشفقون من عذاب يوم القيامة فهؤلاء لا يناقش معهم في موقف الحساب فكيف يعذبون و يمكثون في مقام العذاب
فصل (٢٣) في أحوال تعرض يوم القيامة
[معنى صيرورة الأمور كلها إلى اللّه]
إذا ظهر نور الأنوار و انكشف عند ارتفاع الحجب جلال وجه الله القيوم و غلب سلطان الأحدية باضمحلال الكثرة و اشتدت جهات الفاعلية و التأثير بزوال الحواجز [٢] و خروج المستعدات من القوة إلى الفعل [٣] و انتهاء الحركات إلى غاياتها
[١] أي بمنسوب إلى الظلم فالمشتق بمعنى المنتسب كالحداد و التمار و البقال و المشمس و نحوها، س ره
[٢] ليس المراد بالجهات الفاعلية العقول المسماة بأرباب الأنواع لأنها أيضا فانية بل المراد الأسماء الحسنى التي هي عند العرفاء مربيات الأشياء فتفنى المظاهر في الظاهر- كالحيوان في السميع البصير و المدرك الخبير و الملك في السبوح القدوس و الإنسان في اسم الجلالة و هو الله و هكذا، س ره
[٣] أي تبدل كل الصور الطبيعية طولا إلى الصور البرزخية و هي من صقع النفوس كما أن النفوس من صقع العقول بل النفوس الكلية الإلهية نفس العقول و جميع الغايات لهذه الطبيعيات مشمولة غاية الغايات لأن وحدتها وحدة حقة حقيقية لا عددية فالجميع قائمة هناك بالقيوم تعالى لا بالقوابل و ليس التبدل و البروز بمجرد تبدل النظر هنا بإسقاط الإضافات و لو صار مقاما للناظر متمكنا فيه مع بقاء الوجود الدنيوي و إن كان هذا أيضا قياما عند الله و موتا اختياريا بل شرطا للوصول إلى غاية الغايات و أقصى النهايات- و البغية الكبرى للفئة الأسنى الأعلى فإن من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى- و قد مر أن المعرفة بذر المشاهدة، س ره