الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٣٠٤
عن مشاهدة الخلق في الدنيا و عند قيام الساعة و ارتفاع الحجب ينكشف لهم حقيقة الأمر في ذلك و يصادف كل أحد مقدار سعيه و عمله و يرى رجحان إحدى كفتي ميزانه- و قوة مرتبة نور طاعته أو ظلمة كفرانه و بالجملة كل أحد من أفراد الناس في مدة حياته- له تفاريق أعمال إما حسنات أو سيئات أو مختلفات فإذا جمع يوم القيامة [١] حاصل متفرقات حسناته أو سيئاته كان إما لأحدهما الرجحان أو لا فعلى الأول يكون من أهل السعادة إن كان الرجحان للحسنة و من أهل الشقاوة إن كان للسيئة و على الثاني يكون متوسطا بين الجانبين حتى يحكم الله فيه إما أن يعذب و إما أن يتوب عليه لكن جانب الرحمة أرجح نظرا إلى الجواد المطلق و هذه الأقسام الثلاثة إنما تعتبر بالقياس إلى الأعمال و في الوجود قسم آخر أرفع من الكل و هم الذين استغرقت ذواتهم في شهود جلال الله و لا التفات لهم إلى عمل صالح أو سيئ فكسروا كفتي ميزانهم و خلصوا من عالم الموازين و الأعمال و الانحراف فيها و الاعتدال إلى عالم المعارف و الأحوال و مطالعة أنوار الجمال و الجلال فنقول من الرأس كل أحد ما لم يخلص بقوة اليقين و نور الإيمان و التوحيد عن قيد الطبيعة و أسر الدنيا فذاته مرهونة بعمله فهو بحسب مزاولة الأعمال و الأفعال و ثمراتها و نتائجها و تجاذبها للنفس إلى شيء من الجانبين بمنزلة ميزان ذي كفتين إحدى كفتيه تميل إلى الجانب الأسفل أعني الجحيم بقدر ما فيها من متاع الدنيا الفانية و الأخرى يميل إلى الجانب الأعلى و دار النعيم بقدر ما فيها من متاع الآخرة- ففي يوم العرض الأكبر إذا وقع التعارض بين الكفتين و التجاذب إلى الجنبتين فالحكم لله العلي الكبير على كل أحد في إدخاله إحدى الدارين دار النعيم و دار الجحيم بترجيح
[١] بل لأهل السلوك هاهنا محاسبة و مراقبة و موازنة بأن يزنوا كل ليلة حسناتهم و سيئاتهم الصادرة عنهم كل يوم فإن زادت السيئات تداركوها بالتوبة و الإنابة و الذكر و الطاعة و كذا إن تساويتا رجحوا كفة الحسنات بالطاعات الليلية و إن زادت حسناتهم اليومية وازنوها بنعم الله تعالى التي أسبغ عليهم ظاهرة و باطنة فلا محالة رجعوا مستحيين- مستغفرين مستوثقين بفضله و كرمه بل إن تأملوا قليلا علموا أن طاعاتهم بتوفيقه و تسديده- فهي أعظم نعمائه لهم كما قال تعالى قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ، س ره