الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٩
قلنا أ لم تسمع قوله تعالى في سورة الرحمن وَ السَّماءَ رَفَعَها وَ وَضَعَ الْمِيزانَ أَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَ لا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ أ لم تسمع قوله تعالى في سورة الحديد- لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَ أَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَ الْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ أ زعمت أيها العاقل المتأمل أن الميزان المنزل من عند الله مع إنزال الكتب و إرسال الرسل هو ميزان البر و الشعير و الأرز و التمر و غيرها أ توهمت أن الميزان المقارن وضعه لرفع السماء هو القبان و الطيار و أمثالهما ما أبعد هذا التوهم و الحسبان- و ما أقبح هذا الافتراء و البهتان و اتق أيها الناظر في معاني الكتاب و لا تتعسف في باب التأويل و لا تركب متن الجهالة و اللجاج إني أعظك أن تكون من الجاهلين و اعلم أن الذي يدعو أمثالك و أصحابك من الظاهريين و الحنابلة و غيرهم على حمل ألفاظ الكتاب و السنة على المعاني العامية جمود قرائحهم على التجسم و عدم تجاوز أذهانهم عن حدود الأجسام و الجسمانيات و لو تأملوا قليلا في نفس معنى الميزان و جردوا حقيقة معناه عن الزوائد و الخصوصيات لعلموا أن حقيقة الميزان ليس يجب أن يكون البتة مما له شكل مخصوص أو صورة جسمانية فإن حقيقة معنى الميزان و روحه و سره- هو ما يقاس و يوزن به الشيء و الشيء أعم من أن يكون جسمانيا أو غير جسماني فكما أن القبان و ذا الكفتين و غيرهما ميزان للأثقال و الأصطرلاب ميزان للارتفاعات و المواقيت و الشاقول ميزان لمعرفة الأعمدة و المسطر ميزان لاستقامة الخطوط فكذلك علم المنطق ميزان للفكر في العلوم النظرية يعرف به صحيح الفكر من فاسده و علم النحو ميزان للأعراب و البناء و العروض ميزان للشعر و الحس ميزان لبعض المدركات- و العقل الكامل ميزان لجميع الأشياء و بالجملة ميزان كل شيء يكون من جنسه- فالموازين مختلفة و الميزان المذكور في القرآن ينبغي أن يحمل على أشرف الموازين و هو ميزان يوم الحساب كما دل عليه قوله تعالى وَ نَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ و هو ميزان العلوم و ميزان الأعمال القلبية الناشئة من الأعمال البدنية
و: سئل جعفر الصادق ع عن قوله تعالى وَ نَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ فقال الموازين هم الأنبياء و الأولياء
و اعلم أن ميزان الآخرة ما يعرف به حقائق الأشياء كما هي من العلم بالله