الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٩
يجب أن يحصل لها ذلك أيضا في الآخرة لجواز أن تكون نفوسهم هناك أشد اشتغالا عنه- بما غشيهم من عظائم الأهوال و الشدائد و الدواهي التي لم يبق لهم التفات إلى شيء غيرها لأنهم المقيدون بالسلاسل و الأغلال المحجوبون عن مشاهدة عالم الأنوار كما أشير إلى أحوالهم في الكتاب الإلهي وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا- فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ و قد حيل بينهم و بين ما يشتهون.
و منها أنهم تشبثوا بكلام الأوائل من الحكماء
كأفلاطون و من قبله من الأساطين- و بإشارات الأنبياء المعصومين من الخطاء و الكذب و بآيات الصحيفة الإلهية كقول القائل الحق كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ و قوله تعالى لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ و قوله تعالى- رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ [١] و قوله تعالى رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ و قوله تعالى قالَ اخْسَؤُا فِيها وَ لا تُكَلِّمُونِ.
[١] الإماتة الأولى الإماتة عن الوجود الدنيوي و الإحياء الأول الإحياء بالوجود البرزخي و الإماتة الثانية الإماتة عن البرزخي و الإحياء الثاني الإحياء بالوجود الأخروي- و في هذا الوجود الأخروي يرد الأشقياء على جهنم بعد الحساب و الكتاب و الوزن و الجواز على الصراط و غير ذلك من المواقف و الوجود الأخروي يتفاوت مع الوجود البرزخي تفاوت الشديد مع الضعيف نسبته إليه نسبة اليقظة إلى النوم كنسبة البرزخي إلى الدنيوي و ذلك لأن الإنسان في البرزخ كمن يرتحل من منزله مسافرا و لكن كان نظره و توجه خواطره إلى القفا فما يسنح له في أثناء طريقه و في مقاماته كأنه يرى و لا يرى و لا يموت و لا يحيى فكأنه ذو حظ من الجانبين كما هو معنى البرزخ حتى يصير بصره حديدا و شهود قلبه أكيدا و عند ذلك يبدل الوجود البرزخي إلى الوجود الأخروي و هذا ما يقال بل أثر أن القالب البرزخي غير البدن الأخروي و لا يتفاوت في هذا أهل الصورة من السعداء و الأشقياء و أما أهل المعنى فيصعدون إلى عالم العقل و مقام المعنى بعد صحوهم عن عالم الصورة و التبدل بعضه بنفخة الصعق و بعضه بنفخة الفزع فقد ظهر أن الآية إشارة إلى ما ذكر و ليست في التبدلات الطبيعية و لا سيما النقل على سبيل التناسخ، ر س ره