الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٦١
الآخرة و لصورته النفسانية صورة عقلية في عالم آخر فوقها هي دار المقربين و مقعد العليين- و كل من العالمين الآخرين مشتمل على تفاوت كثيرة بين الموجودات التي فيه لأنه كما أشرنا إليه ذو طبقات متفاوتة كهذا العالم و أعلى طبقة كل عالم متصل بأدنى طبقة العالم الذي هو فوقه و بالعكس و كل صورة في العالم الأدنى يكون هيولى في العالم الأعلى و بالعكس و قد علمت أن كل هيولى متحدة بصورتها و هي تمامها و كمالها و مرجعها و معادها فالصور الحسية إذا لطفت صارت هيولى للصور النفسانية و هي للصور العقلية فبقاء الحس بالنفس و بقاء النفس بالعقل و بقاء العقل بالمبدع الحق.
قال الفيلسوف الأعظم إن هيولى العقل [١] شريفة جدا لأنها بسيطة عقلية غير أن العقل أشد منها انبساطا و هو محيط بها و إن كان هيولى النفس شريفة لأنها بسيطة نفسانية غير أن النفس أشد انبساطا منها و هي محيطة بها و مؤثرة فيها الآثار العجيبة بمعونة العقل فلذلك صارت أشرف و أكرم من الهيولى لأنها تحيط بها و تصور فيها الصور العجيبة و الدليل على ذلك [٢] العالم الحسي فإن من رآه يكثر منه عجبه و لا سيما إذا رأى عظمه و حسنه و شرفه و حركته المتصلة الدائمة الظاهرة منها و الخفية و الأرواح الساكنة في هذا العالم من الحيوان و الهواء و النبات و سائر الأشياء كلها فإذا رأى هذه الأشياء الحسية في هذا العالم السفلي الحسي فليرتق بعقله إلى العالم الأعلى الحق الذي إنما هذا العالم مثاله و يلقى بصره عليه فإنه سيرى الأشياء كلها التي رآها في هذا العالم هناك غير أنها يراها هناك عقلية دائمة متصلة ذات فضائل و حياة نقية ليس يشوبها شيء من الأدناس و يرى هناك الأشياء ممتلئة عقلا و حكمة من أجل النور الفائض عليها و كل واحد منهم يحرص [٣] على الترقي إلى درجة صاحبه و أن يدنو من النور
[١] المراد بهيولى العقل موافقا لما قاله المصنف قدس سره هو الصور المثالية- و بهيولى النفس الصور الحسية و هيولوية هذه و تلك اتحادها بصورها و تحولها إليها و صيرورتها إياها، س ره
[٢] أي كونه صور العالم العقلي عجيبة، س ره
[٣] أي يعشق الاتصال الحقيقي المعنوي به و العلم الشهودي له و هذا هو كون كلها في كلها الذي قال في موضع آخر إذ لا حجاب في المفارقات و إنما فسرنا الحرص و الترقي بذلك لأن الحرص و الشوق المصاحب للفقدان لا يجوز على الموجودات التامة- و لا يجوز حملها على العقول الصاعدة الإنسانية لأن كلامه في عالم العقول العرضية التي في البدايات و الشاهد عليه قول المصنف قدس سره و من الشواهد العرشية إلخ، س ره