الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٢٠
من الدنيا لم يستحكم في نفسه قوة انكشاف الآخرة على وجه الكمال كما لم يستحكم في الجنين قوة الإحساس بالمحسوسات فما دامت النفس حالها على هذا المنوال من الضعف و إدراكه كإدراك النائم يقال إنها في عالم القبر و البرزخ و إذا اشتدت قوتها قامت قيامتها و الذي يوضح لك كيفية ضغطة القبر و إن كان جسد الميت ساكنا أو كان في الهواء- أو الماء أن من كان في ضيق شديد أو تفرق اتصال بالنار و غيرها أو وقع بين حجرين عظيمين- فإن الذي يؤلمه و يؤثر في نفسه بالذات ليس هذه الأمور الواقعة على بدنه بل صورتها الواصلة إلى نفسه لعلاقة لها مع البدن حتى أنه لو فرض حصول تلك الصور إلى النفس- من سبيل آخر لا من جهة هذه الأسباب المادية لكان التأثير بحالها ما دامت النفس ذات علاقة بهذا البدن سواء كان البدن بعينه باقيا أم لا فضغطة القبر و عذابه من هذا القبيل الذي ذكرناه و كذلك ثوابه و راحته فسعة القبر و ضيقه تابعان لانشراح الصدر و ضيقه
فصل (٥) في الإشارة إلى عذاب القبر
قال بعض العلماء كل من شاهد بنور البصيرة باطنه في الدنيا لرآه مشحونا بأنواع المؤذيات و السباع كالشهوة [١] و الغضب و المكر و الحسد و الحقد و العجب و الرياء و هي التي لا تزال تفترسه و تنهشه إن سها عنها بلحظة إلا أن أكثر الناس محجوب العين عن مشاهدتها فإذا انكشف عنه الغطاء و وضع في قبره عاينها و قد تمثلت بصورها و أشكالها الموافقة لمعانيها فيرى بعينه العقارب و الحيات قد أحدقت به و إنما هي ملكاته و صفاته الحاضرة الآن في نفسه و قد انكشف له صورها الباطنية الحقيقية فإن لكل معنى صورة يناسبها فهذا عذاب القبر إن كان شقيا و إن كان سعيدا كان بخلافه
[١] فالشهوة كخنزير و الغضب كسبع و المكر كشيطان و الإنسان
الطبيعي المطيع لها كمن شد الوسط و شمر الذيل لعبادتها و امتثال أوامرها و تمشية
مقاصدها و الحال أن الله تعالى قال لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ و قال
أَ
فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ، س ره