الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٢
الحواس الباطنة و يقال لها عالم الغيب و الآخرة لمقايستها إلى الأولى لأن الآخرة و الأولى من باب المضاف و لهذا لا يعرف إحداهما إلا مع الأخرى كالمتضايفين كما قال تعالى وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ و هي تنقسم إلى الجنة و هي دار السعداء و الجحيم و هي دار الأشقياء و مبادي السعادات و الشقاوات فيهما هي الملكات و الأخلاق الفاضلة و الرذيلة.
و النشأة الثالثة
هي العقلية و هي دار المقربين و دار العقل و المعقول و مظهرها القوة العاقلة من الإنسان إذا صارت عقلا بالفعل و هي لا تكون إلا خيرا محضا و نورا صرفا فالنشأة الأولى دار القوة و الاستعداد و المزرعة لبذور الأرواح و نبات النيات و الاعتقادات و أخريان كل منهما دار التمام و الفعلية و حصول الثمرات و حصاد المزروعات فإذا تقرر هذا و لم تكن النفس ذات قوة استعدادية ساذجة من الصور و الأوصاف و الملكات النفسانية إلا في أول كونها الدنياوي و مبدإ فطرتها الأصلية قبل أن تخرج قوتها الهيولانية النفسانية إلى فعلية الآراء و الملكات و الأخلاق فلا يمكن لها- بعد أن يخرج في شيء منها من القوة إلى الفعل أن يتكرر لها القوة الاستعدادية بحسب فطرة ثانية هي أيضا في هذا العالم و تكون آخر لأجل تعلق بمادة أخرى حيوانية- لأن عروض الحالة الهيولانية لا يمكن إلا بانخلاعها عن جملة الأوصاف و الملكات الباطنة- و هذا مع استحالتها ينافي مذهبهم من انتقال النفوس بواسطة هيئاتها الردية إلى أبدان حيوانات أخرى.
و أما الحجة الخاصة
بإبطال النقل من جهة الصعود فهي أن الحيوان الصامت إن لم يكن له نفس مجردة بل كانت نفسه منطبعة فيستحيل عليه الانتقال من بدن إلى بدن- لكونها جوهرا ناعتيا انطباعيا و البرهان قائم على استحالة الانتقال في المنطبعات- أعراضا كانت أو صورا و إن كانت نفسه مجردة فمن أين يحصل لها الكمال و الترقي إلى