الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢١٦
تصوير الحقائق و تمثيل الأمور الأخروية لكان الأمر كما ذكره لكن المقصود منها تمثيل الحقائق و تصوير النشأة الباقية فلا يلزم ما ذكره و إلا فجميع باب التمثيل- يلزم أن يكون إضلالا.
و منها ما تشبث به أكثر الطبيعيين و الدهريين
المتشبهين بالفلاسفة أن حدوث الإنسان و غيره من المركبات العنصرية لا يكون إلا من الأسباب السماوية و القوابل الأرضية و بإعداد حركات فلكية و استحالات مادية و انقلابات زمانية تحتاج إلى مضي أزمنة و دهور كثيرة- لأن هذا مبلغهم من العلم حيث لم يرتفع نظرهم من هذه النشأة الطبيعية إلى نشأة أخرى يحصل الأشياء الصورية فيها بمجرد الأسباب الفاعلية لا جرم أنكروا طريق الوجود و الإيجاد إلا على نهج التحريك و الإعداد للاستعداد و لو يعلموا الفرق أيضا بين الوجودين اللذين للإنسان فقاسوا الفطرة الثانية بالفطرة الأولى في جميع الأحكام و قد نبه الله تعالى في كثير من الآيات القرآنية على أن إنشاء الآخرة و إيجاد الأمور الأخروية على وجه الإعادة كإيجاد هذا العالم في الابتداء بمحض إفاضة الله تعالى كقوله كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ فكما أن وجود الأفلاك و الكواكب و الأركان ليس بحركة و زمان و استعداد و إعداد- لأسباب قابلية بل بعناية ربانية فكذلك حكم النشأة الأخروية لأن الموجودات هناك صورة مستقلة الوجود بلا مادة فليس لها من الأسباب إلا واهب الصور و الصور هناك قائمة بالفاعل لا بالقابل كما مر مرارا.
و منها أن الحشر و بعث الأبدان إما أن يقع لبعضها أو لجميعها
فالأول ترجيح من غير مرجح لأن استحقاق الثواب و العقاب مشترك بين الناس أجمعين فلا وجه لبعث البعض دون البعض و الثاني يوجب التزاحم المكاني لأجساد الناس و حسابهم و كتابهم- و إليه الإشارة بقوله تعالى أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَ وَ آباؤُنَا الْأَوَّلُونَ فأزال الله تعالى هذا الاستبعاد و الاستنكار بقوله تعليما لنبيه ص قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ فنبه تعالى [١] عباده بأن لا تزاحم بين الأجساد في نحو الوجود الأخروي لما
[١] إن قلت ظاهر الآية لم يرفع الاستبعاد- قلت بل رفعه بقوله
يوم معلوم فإنه يوم دهري لا زماني فإن الزماني ليس علما و معلوما بالذات إنما هو
علم كالماديات باعتبار تجلببه بصور معلومة بالذات فهذا كقوله تعالى وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ
مَعْلُومٍ،
س
ره