الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢١٥
و العبرانيين و هم لا يعرفون الروحانيات و اللسان العربي مشحون بالمجازات و الاستعارات- و العجب منه كيف غفل كجمهور الفلاسفة عن وجود عالم آخر جسماني فيه أجسام و إشكال أخروية مع أعراضها كما قررناه ثم كيف حمل الآيات القرآنية الناصة الصريحة- في أحوال المعاد الجسماني على الأمور العقلية مع تصديقه للرسول و إيمانه بما في القرآن.
و فيه مبالغات و تأكيدات لما ذكرناه أقول منشأ ذلك أنه عجز عن إثبات هذا المقصد بالدليل العقلي و كذا عن إمكانه لغاية غموضه كما يظهر لمن تدبر فيما قررناه فاضطر إلى التأويل كما وقع لغيره- من علماء الإسلام في كثير من الآيات الواردة في أحوال المبدإ الظاهرة في التشبيه و التجسيم فما فعله لا يوجب التكفير [١] كما لا يوجب فيما فعله غيره.
و أما ما أورده عليه بعض المتأخرين من أن الأمر في باب المعاد و لو كان كما زعمه يلزم أن يكون هادي الخلائق و الداعي لهم إلى الحق مضلا لهم و مقررا لأكاذيب- فإن الأجلاف و العبرانيين كما قال لا يفهمون من هذه الألفاظ إلا الظواهر التي زعم أنها غير مقصودة و هذا كما ترى مخالف للهداية فالاعتقاد به مناف لدعوى الإيمان- بصدق الرسول و حقية القرآن.
فأقول فيه نظر من وجهين الأول أن القرآن يشتمل على المنافع [٢] الدنيوية و الأخروية متاعا لكم و لأنعامكم و لا يلزم أن يعود منفعته الأخروية إلى أهل الجلافة و القسوة بل المنافع الأخروية يختص بنيلها أهل الصفوة و انشراح الصدر و هؤلاء الحمقى بمعزل عن الهداية و الضلال جميعا كما قال تعالى وَ لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ الآية.
و الثاني أن هذه الظواهر المذكورة في القرآن لو لم يكن أمثالا و حكايات فيها
[١] لأنه بصدد الإذعان بما جاء به و استفرغ الوسع و عقد القلب
على التأويل بل ٢١٥ الغزالي قال لكل شيء من الموعودات في الشرع وجودات خمسة
الذاتي و العقلي و الخيالي و الحسي و الشبهي فكل من قال في شيء من الموعودات
بواحد منها حتى الشبهي لا يجوز تكفيره و هو مؤمن إنما الكافر من قال لا معنى له و
أنكره مطلقا، س ره
[٢] كأحكام المعاملات و المناكح و المواريث و نظيرها، س ره