الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢١٣
إنها أفعالها و لما كان الفعل و الانفعال مقولتان مختلفتان لا اشتراك لهما في أمر ذاتي- فكذا اللذة الفعلية غير اللذة الانفعالية في الجنس و الحد فلا مجانسة بينهما فلا يقاس إحداهما بالأخرى ففي الجنة جميع الملاذ النفسانية على وجه الكمال فللمشاعر الحسية كلها لذات على وجه أعلى و أتم و أشرف مبناها على ترك هذه اللذات الفانية- التي إذا أمعن فيها ينقلب هناك بعينها آلام و مؤذيات فينبغي للإنسان أن يلطف نفسه و يصفي جوهرة و يزهد في الدنيا و يحصل هاهنا قوة إدراك الخيرات و الشوق إلى نيل السعادات الباقيات حتى إذا خرج من القوة إلى الفعل و انتقل من النقص إلى الكمال- و برز من الأغشية و القشور و الأجداث و القبور و يحصل له ما في الصدور و كان جميع ما يتمناه و يهواه حاضرا لديه و متمثلا بين يديه بل ليس في القيامة للنفوس إلا ما قصدته و نوته فإن كان مقصودها و مناها أمورا صحيحة حقة فازت بها فوزا عظيما- و إن كانت أمورا زائلة مستحيلة من باب المقاصد الدنيوية و المطالب الشهوية و الغضبية و العقائد الوهمية الشيطانية فأتتها فانفسخت صورتها و اضمحلت مادتها و بقيت الحسرة و الندامة و الغصة و العذاب الأليم لأجل الركون إليها و الاعتياد بها و أنت تعلم أن الدنيا [١] و ما فيها مضمحلة في جنبة الآخرة اضمحلال الجمد و ذوبان الثلج عند طلوع
[١] فما استأنس أهل الدنيا من الجزئيات الداثرة لم يبق و ما هو
باق من عالم الأمر و من له الأمر و الخلق لم يستأنسوا به. إن قلت مألوفاتهم و إن لم تبق لكن صورها باقية في خيالهم فلهم
التسلية بها و الالتذاذ بسببها. قلت لا يتمكنون من تخيلها لوجهين أحدهما شدة الأهوال و فضاعة
الأحوال- و ثانيهما أن لذائذ الدنيا تنقلب مؤذيات هناك فإن أكل مال اليتيم ظلما
ينقلب هناك إلى أكل النار و أكل الموائد حراما في الباطن أكل الزقوم و الضريع و
هذا كانقلاب سني المجاعة و سني الرخاء إلى بقرات عجاف و بقرات سمان في الرؤيا كما
في الكتاب الإلهي و قد مر فهناك في حس من أكل في الدنيا أموال اليتامى ظلما و في
خياله ليس إلا أكل النار، س ره