الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٩٦
الآخرة على التدريج و يرجع إلى غاية مقصوده فيبتدي بوجوده الدنيوي المادي إلى وجوده الأخروي الصوري إذ نسبة الدنيا إلى الأخرى نسبة النقص إلى الكمال و نسبة الطفل إلى البالغ و لهذا يحتاج في هذا الوجود كالأطفال لضعفهم و نقصهم إلى مهد هو المكان و داية [١] هو الزمان فإذا بلغ أشده [٢] الجوهري يخرج من هذا الوجود الدنيوي إلى وجود أخروي و يستعد للخروج من هذه الدار إلى دار القرار و إلى هذا الحد من الوجود النفساني و الاستقلال الجوهري الصوري المعبر عنه بنفخ الصور الموجب للموت الطبيعي و الخروج من هذه النشأة مما يقع فيه الاشتراك بين المؤمن و الكافر و الموحد و المشرك و المعطل إذ لا منافاة بين هذا الكمال الوجودي و الاستغناء عن المادة البدنية و بين الشقاوة و التعذيب بنار الجحيم و إدراك العذاب الأليم بل يؤكدها فإن شدة الوجود يوجب الخروج عن الغواشي و الملابس المادية و هو يوجب شدة الإدراك للمؤلمات و المؤذيات- و نتائج الأعمال القبيحة و السيئات و الأمراض و العلل النفسانية التي كان الذهول عنها في الدنيا لخدر الطبيعة و غشاوة على البصيرة فإذا زال الحجاب حل العذاب فالنفس ما لم تقطع جميع الحدود الطبيعية ثم النفسانية لم يصل إلى جوار الله و لم يستحق مقام العندية فالموت أول منازل الآخرة و آخر منازل الدنيا و الإنسان بعد خروجه عن الدنيا- قد يكون محبوسا في البرازخ المتوسطة بين الدارين الدنيا و العقبى مدة طويلة أو قصيرة
[١] أي إذا بلغ حركته الجوهرية في مدة عمره الدنيوي إلى
النهاية و كذا حركاته العرضية التابعة له، س ره
[٢] داية فارسية و المراد بها هنا المربية و الأم هي الطبيعة و
الثديان هما النبات و الحيوان فإن الإنسان لما كان في غاية اللطافة في المركبات لا
تصير العناصر أغذية له إلا بتغييرات الطبيعة بل مع تدبيرات الصناعة فكما أن الطفل
الرضيع للطافته- لم يوافقه غذاء الكبار و لا بد أن يتصرف فيه نفس الأم و مغيرة
ثديها كذلك العناصر لم توافق مزاج الإنسان الكبير البشري إلا إذا غيرت في الثديين
اللذين هما النبات و الحيوان و كما أن الإنسان البشري لا بد أن يشرب من هذين كذلك
الإنسان الملكوتي و هو النفس لا بد أن يشرب لبن العلم من الثديين اللذين هما العقل
النظري و العقل العملي ليتقوى و يتكامل، س ره