الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٩٤
و تفرق همتها و توزع خاطرها بما تنفعل من المؤثرات الخارجية و تشتغل بها حتى لو فرض أن يرتفع عنها الاشتغال بأفاعيل سائر القوى الحيوانية و الطبيعية و تكون مصروفة الهمة إلى فعل التخيل و التصور تكون الصور و الأجسام التي تتصورها و تفعلها بقوة الخيال في غاية ما لها من القوام و تأكد الوجود و يكون تأثيرها أقوى من تأثير المحسوسات المادية كما يحكى عن أهل الكرامات و خوارق العادات و إذا كان حال النفس في تصوير الأشياء على هذا الوجه و هي بعد في الدنيا ذات تعلق ببدنها فما ظنك إذا انقطعت علائقها عن الدنيا بالكلية و قويت قوتها و تأكدت فعليتها فكل نفس إنسانية فارقت الدنيا و كانت من أهل السلامة- عن الأمراض النفسانية و ذمائم الأخلاق و الملكات غير مرتهن بما يزعجها و يؤذيها و يمنعها عن الرجوع إلى ذاتها تكون لها عالم خاص بها فيه من كل ما تريده و تشتهيه و هذا أدنى مرتبة من مراتب السعداء فإن كل أحد منهم له جنة عرضها كعرض السماوات و منازل الأبرار و المقربين فوق هذا إلى ما لا يحصى
الأصل الحادي عشر أنك قد علمت أن أجناس العوالم و النشئات
مع كثرتها التي لا تحصى منحصرة في ثلاثة و إن كانت دار الوجود واحدة لارتباط بعضها ببعض أدناها عالم الصور الطبيعية الكائنة الفاسدة و أوسطها عالم الصور الإدراكية الحسية المجردة عن المادة الحاملة للإمكانات و الاستعدادات القابلة للمتضادات و أعلاها عالم الصور العقلية و المثل الإلهية فاعلم أن النفس الإنسانية مختصة من بين الموجودات بأن لها هذه الأكوان الثلاثة مع بقائها بشخصها فللإنسان الواحد من مبدإ طفوليته كون طبيعي و هو بحسبه إنسان بشري ثم يتدرج في هذا الوجود و يتصفى و يتلطف شيئا فشيئا في تجوهره إلى أن يحصل له كون آخر نفساني و هو بحسبه إنسان نفساني أخروي يصلح للبعث و القيام- و له أعضاء نفسانية و هو الإنسان الثاني ثم قد ينتقل من هذا الكون أيضا على التدريج- فيحصل له كون عقلي و هو بحسبه إنسان عقلي و له أعضاء عقلية و هو الإنسان الثالث كما ذكره معلم الفلاسفة في كتاب أثولوجيا و هذه الانتقالات و التحولات التي يقطع بها الشخص الواحد سبيل الحق إلى الغاية القصوى مختصة بنوع الإنسان فإن الأشياء و إن كانت كلها متوجهة إلى الحضرة الإلهية لكن الذي يمر على الصراط المستقيم منتهيا إلى