الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٧٩
ارتحلت تصير حواسها الباطنية لإدراك أمور الآخرة أشد و أقوى فتشاهد الصور العينية الموجودة في تلك الدار و لا يختص ذلك بنفس دون نفس كما لا يختص قوة الإحساس بهذه الحواس في الدنيا بنفس دون نفس فإذا انقطع تعلقها عن هذا البدن اضطرارا أو اختيارا يجب لها انكشاف الأمور المناسبة لأعمالها و أفعالها و نياتها و اعتقاداتها كما في قوله تعالى- فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ فإن كانت أفعالها حسنة و نياتها صحيحة فروح و ريحان و جنة نعيم و إن كانت أفعالها قبيحة و اعتقاداتها ردية فنزل من حميم و تصلية جحيم
فصل (١١) في التنبيه على شرف علم المعاد و علو مكانه و سمو معرفة بعث الأرواح و الأجساد و عظم شأنها
اعلم أن هذه المسألة بما فيها من أحوال القبر و البعث و الحشر و النشر و الحساب- و الكتاب و الميزان و مواقف العرض و الصراط و الجنة و طبقاتها و أبوابها و النار و أبوابها و دركاتها هي ركن عظيم في الإيمان و أصل كبير في الحكمة و العرفان و هي من أغمض العلوم و ألطفها و أشرفها مرتبة و أرفعها منزلة و أسناها قدرا و أعلاها شأنا- و أدقها سبيلا و أخفاها دليلا إلا على ذي بصيرة ثاقبة و قلب منور بنور الله قل من اهتدى إليها من أكابر الحكماء السابقين و اللاحقين و مشاهير الفضلاء المتقدمين و المتأخرين فأكثر الفلاسفة و إن بلغوا جهدهم في أحوال المبدإ من التوحيد و التنزيه في الذات و الصفات و سلب النقائص و التغيرات في الأفعال و الآثار لكنهم قصرت أفكارهم عن درك منازل المعاد و مواقف الأشهاد لأنهم لم يقتبسوا أنوار الحكمة من مشكاة نبوة هذا النبي الخاتم عليه و على آله الصلاة الكبرى و التقديس الأشرف الأتم الأوفى- حتى أن رئيسهم [١] اعترف بالعجز عن إثبات ضرب من المعاد بالدليل العقلي و هو
[١] حيث قال في إلهيات الشفاء المعاد منه روحاني و منه جسماني أما الجسماني- فقد أغنانا عن بيانه الشريعة الحقة المصطفوية و أما الروحاني فنحن ذاكروه، س ره