الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٥٧
بالصورة الأولى حتى يكون المطلوب إثبات قدرة الله في ذلك و جملة الأمر أن هؤلاء القوم من أصحاب اللقلقة و الكلام و أهل المجادلة و الاختصام لم يعلموا أن مقصود التكاليف و وضع الشرائع و إرسال الرسل و إنزال الكتب ليس إلا تكميل النفوس الإنسانية و تخليصها عن هذا العالم و دار الأضداد و إطلاقها عن أسر الشهوات و قيد الأمكنة و الجهات و هذا التكميل و التجريد لا يحصلان إلا بتبديل هذه النشأة الداثرة المتجددة إلى النشأة الباقية الثابتة و هذا التبديل إلى النشأة الباقية موقوف أولا على معرفتها و الإيمان بوقوعها و ثانيا على أنها الغاية الأصلية المقصودة من وجود الإنسان التي يتوجه إليها بمقتضى فطرتها الطبيعية لو لم ينحرف عن مسلكها بواسطة الجهالات و ارتكاب السيئات و ثالثا على العمل بمقتضاها و ما يسهل السبيل إليها- و تدفع القواطع المانعة عنها فالغرض الإلهي من هذه الآيات الدالة على حقيقة المعاد- هو التنبيه على نحو آخر من الوجود و الهداية إلى عالم غائب عن هذه الحواس باطن عن شهود الخلائق و هو مسمى بعالم الغيب و هذا بعالم الشهادة و هو عالم الأرواح و هذا عالم الأجساد و كما أن الروح باطن الجسد كذلك عالم [١] الآخرة باطن هذا العالم ثم لما كان إثبات نحو آخر من الوجود يخالف هذا الوجود الطبيعي الوضعي- و نشأة أخرى باطنة تباين هذه النشأة الظاهرة أمرا صعب الإدراك متعصيا على أذهان أكثر الناس جحدوه و أنكروه و أيضا لا لفهم بهذه الأجساد و شهواتها و لذاتها يصعب عليهم تركها و طلب نشأة تضاد هذه النشأة و لذلك لم يتدبروا في تحقيقها و كيفيتها- بل أعرضوا عنها و عن آياتها كما قال تعالى
[١] أي ليس في عرض العالم إنما هو في الطول إلا أن الصور الكمالية في السلسلة الطولية العروجية ليست مسماة بالحشر و الآخرة إلى أن تطرح النفوس جلابيب الأبدان الطبيعية و تصير من عالم المعنى أو مكتسية بصور لا ترى بهذه المشاعر الطبيعية و لهذا قال تعالى يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَ نَراهُ قَرِيباً فذلك العالم من هذا العالم كالفرخ من البيضة، س ره