الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٠٩
برياضات و مجاهدات في خلوات مع توحش شديد عن صحبة الخلق و انقطاع عن أعراض الدنيا و شهواتها الباطلة و ترفعاتها الوهمية و أمانيها الكاذبة و أكثر كلمات هذا الفيلسوف الأعظم مما يدل على قوة كشفه و نور باطنه و قرب منزلته عند الله و أنه من الأولياء الكاملين و لعل اشتغاله بأمور الدنيا و تدبير الخلق و إصلاح العباد و تعمير البلاد كان عقيب تلك الرياضات و المجاهدات و بعد أن كملت نفسه و تمت ذاته و صار في كمال ذاته بحيث لم يشغله شأن عن شأن فأراد الجمع بين الرئاستين و تكميل النشأتين.
فاشتغل بتعليم الخلق و تهذيبهم و إرشادهم سبيل الرشاد تقربا إلى رب العباد.
و أما الشيخ صاحب الشفاء فلم يكن اشتغاله بأمور الدنيا على هذا المنهاج- و العجب أنه كلما انتهى بحثه إلى تحقيق الهويات الوجودية دون الأمور العامة و الأحكام الشاملة تبلد ذهنه و ظهر منه العجز و ذلك في كثير من المواضع.
منها منعه الحركة في مقولة الجوهر فإنه زعم أنها توجب خروج الموضوع عن ماهية إلى ماهية أخرى فلو تحرك زيد مثلا في إنسانيته لزم عنده خروجه من الإنسانية إلى نوع آخر مع أنه لا بد في الحركة من بقاء الموضوع و ذلك لذهوله عن أحوال الوجودات و أن لماهية واحدة قد يكون أنحاء متفاوتة من الوجود بعضها أتم من بعض- بل يجوز أن يكون لشخص واحد أنحاء و أطوار كثيرة من الوجود نعم لو كان الوجود كما زعمه جمهور المتأخرين أمرا انتزاعيا كان الأمر كما زعمه و ليس كذلك كما علمت.
و منها إنكاره للصور المفارقة الأفلاطونية و قد سبق تحقيقها في مباحث الماهية.
و منها إنكاره لاتحاد العاقل بالمعقول و كذا اتحاد النفس بالعقل الفعال و قد مر إثباتهما في مباحث العقل و المعقول.
و منها تبلد ذهنه من تجويز عشق الهيولى للصورة و قد أثبتناه.