الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٠٠
نشأة ثانية و كذا النفس إذا استكملت و صارت عقلا بالفعل ليس بأن يسلب [١] عنها بعض قواها كالحساسة و يبقى البعض كالعاقلة بل كلما تستكمل و ترتفع ذاتها كذلك تستكمل و ترتفع سائر القوى معها إلا أنه كلما ارتفع الوجود للشيء صارت الكثرة و التفرقة فيه أقل و أضعف و الوحدة و الجمعية فيه أشد و أقوى.
و يؤيد ما ذكرناه قول هذا الفيلسوف بعد الكلام الذي نقلناه فقد بان أن الإنسان الأول حساس إلا أنه بنوع أعلى و أفضل من الحس الكائن في الإنسان السفلي- و أن الإنسان السفلي إنما ينال الحس من الإنسان الكائن في العالم الأعلى العقلي كما بيناه و أوضحناه فإنا بينا كيف يكون الحس في الإنسان و كيف لا تستفيد الأشياء العالية من الأشياء السفلية بل هي المستفيدة من الأشياء العالية لأنها متعلقة بها فلذلك صارت هذه الأشياء متشبثة بتلك الأشياء في جميع حالاتها و أن قوى هذا الإنسان أنما هي مستفادة من الإنسان العالي و أنها متصلة بتلك القوى غير أن لقوى هذا الإنسان محسوسات- غير محسوسات قوى إنسان العالم الأعلى و ليست تلك المحسوسات أجساما و لا ذلك الإنسان يحس و يبصر مثل هذا الإنسان [٢] لأن تلك المحسوسات و ذلك البصر خلاف
[١] فإن الترقيات الطولية تغيرات استكمالية و الاستكمال في الطول ليس بالخلع و اللبس كما في الانقلاب إلا خلع النقص و الحد بل للتالي كمال المتلو مع شيء زائد فهو لبس ثم لبس فالقوى التي في الإنسان الطبيعي كلها في الإنسان النفساني بأضعافها- و في الإنسان العقلي بأضعاف أضعافها كما مر إلا أنها بنحو جميع لكونه في عالم الجمع و يد الله مع الجماعة، س ره
[٢] لأن الإنسان الطبيعي يحس بالآلات و الإنسان العقلي لتماميته و غنائه يحس بذاته و علمه الحضوري يرجع إلى سمعه و بصره و لأن الإنسان الطبيعي إذا أحس بشيء و ناله زوي عنه الآخر و العقلي لا يشغله شأن عن شأن يحس الشيء مع المحسوسات الأخرى كما قال ذلك أكثر نيلا للأشياء و إنه يبصر الكليات و كما قال بعض الحكماء- الأول تعالى يعلم الجزئي على وجه كلي أي يعلم الجزئي مع كل الجزئيات الأخرى دفعة واحدة سرمدية و لأنه لما كان علم الإنسان العقلي حضوريا وقع بصره و هو علمه الشهودي على أشياء أكرم و أشرف و هي المجردات فهو يبصر بإبصار واحد جميع ما في عالم العقول- و جميع ما في عالمي المثال و الطبيعة من المبصرات و إبصار ما دونه إبصاره أيضا و قس عليه، س ره